من رياض الأطفال إلى الجامعة.. كيف تغرس الصين ثقافة العمل في نفوس أبنائها؟

لفهم أسباب تحول الصين إلى “مصنع العالم”، لا يكفي التوجه إلى المصانع ومراقبة خطوط الإنتاج؛ فالمفتاح الحقيقي يكمن في رياض الأطفال. ففي الصين، لا يُنظر إلى العمل بوصفه مهنة تُلتمس بعد التخرج، بل يُدرَّس كمادة أساسية يتعلمها الطفل منذ بداية تعلمه الإمساك بالقلم.
فلسفة مختلفة في التعامل مع العمل
في المجتمعات العربية، يتردد على مسامع الأطفال عبارة “ادرس لكي ترتاح في المستقبل”، بينما يتربى الطفل الصيني على مفهوم مغاير تماماً، إذ يُقال له: “ادرس لكي تعمل بجد أكثر في المستقبل”.
ولا يقتصر ذهاب الطالب الصيني إلى المدرسة على تلقي دروس الرياضيات والعلوم، بل يشمل أيضاً تعلم قيمة العمل. ففي المدارس الابتدائية، ثمة حصة رسمية مخصصة للعمل، يتعلم خلالها الطفل الزراعة، وتنظيف فصله بنفسه، وإعداد وجبة بسيطة. ولا يوجد عامل نظافة يتولى تنظيف الفصول، فالطلاب هم من يقومون بذلك، لا بوصفه عقاباً، بل بوصفه تربية تهدف إلى ترسيخ رسالة واضحة: لا يوجد عمل حقير، وكل عمل يحترم من يحترمه.
مبدأ صيني قديم يطبَّق حرفياً
يتمسك الصينيون بمبدأ قديم يطبقونه بحذافيره، مفاده أن العمل هو الأكثر مجداً. وتعلق هذه العبارة على جدران المدارس، لا بوصفها شعاراً، بل بوصفها عقيدة تبدأ من البيت. فالأم الصينية لا تقول لابنها “اترك الصحون، أنا أرتبها”، بل تقول له “رتبها أنت، هذه مسؤوليتك”.
ويشارك الطفل الصيني منذ نعومة أظفاره في الأعمال المنزلية، ليس من باب مساعدة والدته، بل لأنه واجب عليه. وهكذا يتعلم مبكراً أن الراحة مكافأة تأتي بعد الإنجاز، وليست حقاً مكتسباً. كما يتعلم أن الفشل في إنجاز مهمة منزلية صغيرة يعد فشلاً يستحق التوبيخ، تماماً مثل الفشل في مادة الحساب؛ فالعمل يساوي الدراسة في القيمة.
الجامعة.. إنتاج لا شهادات
أما المفاجأة الكبرى فتتمثل في أن الجامعة في الصين ليست بوابة للحصول على الشهادة، بل ميدان للإنتاج. ففي الجامعات الصينية المرموقة، لا يكفي التخرج بمعدل مرتفع؛ بل ينبغي للطالب أن يثبت أنه منتج. ويعمل معظم الطلاب في مشاريع جانبية وشركات ناشئة داخل الحرم الجامعي، ويعود ذلك إلى أن المجتمع الصيني يقدس العمل والاجتهاد.
درس في بناء الأمم
وخلاصة ما يمكن استخلاصه من التجربة الصينية أن الأمم لا تُبنى بالتمني، وإنما بيدين تعلمتا منذ الصغر كيف تعملان.
يمكن للقراء الاطلاع على مقالات الكاتب السابقة عبر النقر على اسمه، والصحيفة غير مسؤولة عن الآراء الواردة في هذا المقال.




