بوابة التفاوض: كيف تتحول المجاملات إلى ثغرات أمنية؟

ما زالت في ذهني حادثة شهدتها في إحدى المؤسسات، حيث وصل أحد العاملين إلى المدخل دون تصريح دخول ساري المفعول. أبلغ حارس الأمن بأن التصريح سيصدر بعد بضع ساعات، لكنه تمسك بالإجراء ورفض السماح بالدخول. تصاعد النقاش، وتدخل موظف آخر مؤكداً أن الرجل معروف وقد دخل الموقع من قبل، وفي النهاية سُمح له بالدخول ومعه حمولته.
الإجراءات القابلة للتفاوض
لم يحدث أي حادث، وربما رأى البعض أن الأمور انتهت بسلام. لكن ما أثار قلقي لم يكن الشخص نفسه، بل الطريقة التي جعلت الإجراء قابلاً للتفاوض. فمن دخل اليوم بدعوى أنه معروف، قد يدخل غداً بدعوى أنه دخل بالأمس. وهكذا تتحول المجاملة إلى سابقة، وتتحول السابقة إلى عادة لا يجرؤ أحد على الاعتراض عليها.
الضغوط على حارس الأمن
في مواقف أخرى، رأيت كيف يمكن استخدام المكانة الوظيفية أو نبرة الصوت للضغط على حارس الأمن. والمفارقة أن الموظف الذي يؤدي واجبه قد يجد نفسه مطالباً بتبرير رفضه، بينما يُعفى طالب الدخول من إثبات أحقيته. عندها لا تعود البوابة نقطة تحقق، بل تصبح ساحة تفاوض.
الاستثناءات: بين الصواب والخطأ
لست ضد الاستثناءات عندما تفرضها ظروف العمل، لكن الاستثناء الصحيح يحتاج إلى مسؤول مخوّل يجيزه، وسبب واضح، وتوثيق يحدد مدته ونطاقه. أما عبارة «نحن نعرفه» فلا تصلح بديلاً عن تصريح ساري المفعول، مهما كانت مكانة صاحبها. المسؤولية هنا لا تقع على حارس الأمن وحده. على المؤسسة أن تحمي قراره حين يطبق التعليمات، وألّا تتركه وحيداً أمام ضغط الزملاء أو المسؤولين. فما فائدة الأنظمة والكاميرات إذا كان الالتزام بها يتراجع عند أول اعتراض؟
أحياناً لا تبدأ الثغرة الأمنية بعطل تقني أو هجوم معقد، بل بجملة عابرة تُقال عند البوابة: «لا تعقّدها». وحين تصبح هذه الجملة أقوى من الإجراء، فالمشكلة لم تعد في البوابة، بل في ثقافة المؤسسة.
أ.س. الحبسي
لمزيد من مقالات الكاتب، يمكن النقر على اسمه. الكاتب وحده يتحمل مسؤولية ما ينشر في هذا المقال، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.




