كأس العالم 2026 يربط سكان أقصى بقاع الأرض بالكرة المستديرة

امتدت فعاليات كأس العالم 2026 إلى أماكن تبعد آلاف الأميال عن الملاعب المستضيفة، لتصل إلى أشخاص يعيشون في الفضاء الخارجي وأبعد الجزر المأهولة والقواعد القطبية، حيث أصبحت متابعة المباريات وسيلة للتواصل مع أوطانهم والمشجعين في كل مكان.
وأفادت صحيفة «ذا أثليتيك» بأنها تتبعت تجارب مشاهدة المونديال من محطة الفضاء الدولية، وجزيرة تريستان دا كونا، ومحطة ماكموردو في القارة القطبية الجنوبية، وقاعدة أليرت الكندية الواقعة قرب القطب الشمالي، في رحلة أظهرت كيف تخطت كرة القدم حدود المسافات والعزلة الجغرافية.
رواد الفضاء والمونديال فوق الغلاف الجوي
يواصل رائدا الفضاء جيسيكا مير وكريس ويليامز مهمتهما على متن محطة الفضاء الدولية، التي تحلق على ارتفاع حوالي 250 ميلاً فوق الأرض، منذ 14 فبراير، ضمن طاقم يعمل يومياً في إجراء التجارب العلمية وأعمال الصيانة والتدريبات البدنية.
وتبلغ مير 49 عاماً، وتحمل الجنسيتين السويدية والأمريكية، وشاركت في عام 2020 مع كريستينا كوك في أول عملية سير فضائية نسائية بالكامل. وقد أمضت أكثر من 350 يوماً في المدار، وساهمت في أبحاث متعلقة بوظائف القلب، وهي شغوفة بكرة القدم، حيث سبق أن نفذت ركلة خلفية مزدوجة في حالة انعدام الجاذبية.
أما ويليامز، البالغ 42 عاماً، فيخوض مهمته الأولى على المحطة بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الفيزياء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. ويشارك زميلته مير في برنامج عمل يومي يبدأ السابعة والنصف صباحاً ويستمر 12 ساعة، يتضمن التدريبات والتجارب وأعمال الإصلاح.
وتختلف طبيعة الأيام بحسب المهام، فبعضها يتضمن سيراً في الفضاء لإصلاح الذراع الآلية أو استقبال مركبات شحن، بينما يحصل الطاقم على عطلة نهاية الأسبوع للتواصل مع العائلات وتناول العشاء معاً.
واستغل الطاقم إحدى هذه الأمسيات لمشاهدة فوز إنجلترا على النرويج في ربع نهائي كأس العالم خلال مأدبة عشاء جماعية داخل المحطة.
وأكدت مير أن متابعة البطولة جعلتها تشعر بقربها من الأرض، مستذكرة تجربتها السابقة في فانكوفر خلال الألعاب الأولمبية الشتوية عام 2010، وفترة تدريبها في روسيا أثناء كأس العالم 2018 حين عاشت أجواء البطولة.
وقالت: «تمنحني هذه المناسبات شعوراً بالانتعاش والتفاؤل، لأنها تجمع العالم، وهو إحساس قريب مما نشعر به نحن رواد الفضاء عندما ننظر إلى كوكبنا من الأعلى وندرك فوراً أننا جميعاً مترابطون».
وشاركه ويليامز الشعور نفسه، موضحاً أن مشاهدة كأس العالم جعلته يشعر بأنه أقرب إلى الولايات المتحدة، وقال: «عندما أنظر إلى الأسفل، أتخيل الناس في المدن التي تمر المحطة فوقها وهم يشجعون منتخباتهم ويتابعون المباريات، تماماً كما أفعل هنا».
وانضمت رائدة وكالة الفضاء الأوروبية صوفي أدينوت إلى متابعي البطولة على المحطة، رغم أنها لم تكن من مشجعات كرة القدم قبل المونديال، لكنها تأثرت بالسعادة التي عمت الطاقم، رغم خروج منتخب بلادها فرنسا من المنافسة.
وقالت أدينوت: «تذكرنا البطولة بأننا، حتى من الفضاء، ما زلنا جزءاً من البشرية، ونعيش المشاعر نفسها التي يعيشها ملايين الأشخاص على الأرض، فنشجع ونحتفل ونشعر بخيبة الأمل معاً».
وأضافت: «تجعلنا هذه اللحظات ندرك أننا لسنا معزولين في الفضاء، إذ تختفي الحدود لبعض الوقت، ويشترك ملايين الأشخاص في الفرح والحماس، وأحب أن أشعر بأنني جزء من ذلك».
أبعد جزيرة في العالم تتابع كرة القدم
وتنتقل حكايات متابعة المونديال من الفضاء إلى جزيرة تريستان دا كونا في المحيط الأطلسي، التي تُعد أبعد منطقة مأهولة بالسكان في العالم، وتقع على مسافة نحو 1500 ميل غرب جنوب أفريقيا، وأكثر من ألفي ميل شرق أوروغواي.
تضم الجزيرة ست جزر، ولا يوجد بها مطار، ما يجعل السفن وسيلة الوصول والمغادرة الوحيدة، وتستغرق الرحلة إلى كيب تاون بين سبعة و13 يوماً حسب الطقس والبحر.
وتتشكل الجزيرة الرئيسية، الوحيدة المأهولة، من بركان تبلغ مساحته حوالي 40 ميلاً مربعاً، ويعيش سكانها الذين لا يتجاوز عددهم بضع مئات في تجمع واحد يحمل اسم «إدنبرة البحار السبعة»، على هضبة مساحتها نحو أربعة أميال مربعة.
وأسس ليون غلاس نادي تريستان دا كونا، الذي يوصف بأنه أبعد نادي كرة قدم في العالم، لكنه بات شبه متوقف بسبب تراجع الاهتمام باللعبة وغياب الفرق المنافسة، بعدما سجل موقعه الرسمي في إحدى آخر مبارياته فوزاً بنتيجة 9-0 على فريق تابع لإحدى السفن الزائرة.
ويحافظ سكان الجزيرة على اهتمامهم الكبير بمتابعة الأحداث الرياضية، ومنها كرة القدم وسباقات «فورمولا 1» والسنوكر، باعتبارها وسيلة للارتباط ببقية العالم.
وقال غلاس: «تجعلنا مشاهدة كرة القدم نشعر بأننا على اتصال بالعالم، لأن حب الرياضة واسع للغاية، وتمنحنا متابعة البطولات عبر التلفزيون شعوراً أكبر بالقرب من الآخرين».
وتتبع تريستان دا كونا المملكة المتحدة ضمن إقليم بريطاني يتمتع بالحكم الذاتي، ويضم كذلك سانت هيلينا وأسينشين، الواقعتين على مسافة تزيد على ألف ميل شمال الجزيرة.
ويشجع معظم السكان منتخب إنجلترا بحكم أصولهم، بينما يساند بعضهم منتخبات إيطاليا وهولندا والبرتغال، مستفيدين من تحسن خدمة الإنترنت مقارنة بالسنوات السابقة، رغم استمرار انقطاعها أحياناً.
وتوفر القنوات البريطانية المفتوحة الرئيسية تغطية كاملة للمونديال، بعدما نقلت شبكتا «بي بي سي» و«آي تي في» جميع المباريات.
وأشار غلاس إلى أن السكان كانوا ينجزون أعمالهم ومهامهم المنزلية مبكراً لمتابعة المباريات الكبرى، معبراً عن حزنه لاقتراب البطولة من نهايتها.
ويأمل مؤسس النادي أن تشجع كأس العالم المزيد من سكان الجزيرة على العودة إلى ممارسة كرة القدم، بعدما عايش مع ابنتيه تتويج منتخب إنجلترا للسيدات ببطولة أوروبا للمرة الأولى عام 2022، في فترة بدأتا فيها الاهتمام بالرياضة.
ظلام القطب الجنوبي وشمس القطب الشمالي
تصل تجربة المشاهدة إلى محطة ماكموردو الأمريكية للأبحاث في القارة القطبية الجنوبية، التي تقع على مسافة طيران ثلاث ساعات من القطب الجنوبي، وتفصلها عن نيوزيلندا، أقرب دولة إليها، مسافة تقارب المسافة بين نيويورك ولوس أنجلوس.
وتعيش المحطة خلال فصل الشتاء الجنوبي في ظلام كامل على مدار 24 ساعة، باستثناء ضوء القمر والنجوم والإضاءة الصناعية.
ويعيش داخل ماكموردو 218 شخصاً يعتمدون على بعضهم في توفير الطعام والمياه والطاقة والأنشطة الترفيهية، وفق مديرة المحطة أمنستي كوتشانوفسكي، التي وصفت العاملين فيها بأنهم مبدعون وملتزمون بمهمة واحدة رغم ظروف العزلة.
ويتابع مشجعو كرة القدم في المحطة مباريات كأس العالم عبر شبكة القوات الأمريكية وشبكة البث الداخلية التابعة للقاعدة.
وقالت كوتشانوفسكي إن البطولة جعلت أمريكا الشمالية تبدو بعيدة جداً، خصوصاً مع الفارق الكبير في الطقس، إذ انخفضت درجات الحرارة في المحطة بأكثر من 100 درجة مقارنة بدرجات الحرارة المسجلة خلال المباريات، التي أقيم بعضها في أجواء شديدة الحرارة والرطوبة.
وأضافت أن كأس العالم ساعدت أفراد المحطة على الشعور بأنهم أقرب إلى أوطانهم، وذكرتهم بأن التشابه بين البشر أكثر من الاختلافات.
تصل الرحلة إلى الطرف الآخر من الكوكب، حيث تقع قاعدة القوات الكندية «أليرت»، أقرب موقع مأهول بصورة دائمة إلى القطب الشمالي، على مسافة حوالي 500 ميل منه.
وتعيش القاعدة خلال صيف القطب الشمالي في ضوء النهار على مدار 24 ساعة، بعكس الظلام المستمر الذي تشهده محطة ماكموردو في شتاء القارة القطبية الجنوبية.
وتؤدي «أليرت» دوراً رئيسياً كمحطة استخبارات إشارات تابعة للجيش الكندي، كما تدعم هيئة البيئة والتغير المناخي الكندية ومرصد مراقبة الغلاف الجوي، وتستقبل فرقاً متخصصة في أبحاث الحياة البرية والجيولوجيا.
ووصف الرائد كريغ فينكنزيلر، قائد القاعدة، الحياة هناك بأنها تشبه الإقامة في فيلم وثائقي عن الطبيعة يرويه ديفيد أتينبورو، بالتزامن مع المشاركة في فيلم خيال علمي عن قاعدة على سطح القمر، مع الاستعداد المستمر لأي مفاجأة.
وعاشت القاعدة واحدة من أبرز لحظات البطولة مع تحقيق منتخب كندا أفضل مشاركة في تاريخه بكأس العالم، بالتزامن مع استضافة البلاد البطولة إلى جانب الولايات المتحدة والمكسيك.
وأعرب فينكنزيلر عن فخره بالتطور الذي وصل إليه المنتخب الكندي، مؤكداً أن العاملين في القاعدة انبهروا بمستوى اللاعبين وقدرتهم على المنافسة.
ووصف الفوز الكندي على قطر بنتيجة 6-0 بأنه حمل مشاعر متباينة، بعدما شهد تعرض اللاعب إسماعيل كوني لكسر في الساق، لكنه أكد قدرة منتخب بلاده على تسجيل الأهداف ومنافسة أفضل المنتخبات رغم حداثة تجربته الدولية.
وقال قائد القاعدة: «تشكل كأس العالم رابطاً مشتركاً بين جميع المشجعين هنا وفي مختلف أنحاء العالم، وتخفف نفسياً من الإحساس بالمسافة التي تفصلنا عن الآخرين في أقصى الشمال».
وأوضح أن زوجته وأطفاله يرسلون إليه رسائل نصية عند تسجيل الأهداف إذا تعذر عليه مشاهدة إحدى المباريات، فيما يتبادل العاملون في ممرات القاعدة وصف أبرز اللقطات والنتائج، معتبراً أن ذلك يرفع الروح المعنوية للجميع.
واستعد فينكنزيلر لمتابعة المباراة النهائية بين الأرجنتين، حاملة اللقب، وإسبانيا، بطلة أوروبا، مؤكداً أن مهمته الأخيرة قبل اللقاء هي التأكد من فتح المكان المخصص لتجمع أفراد القاعدة ومشاهدة المباراة.
تجمع هذه التجارب بين أشخاص يعيشون على ارتفاع 250 ميلاً فوق الأرض، وآخرين يقيمون في أبعد جزيرة مأهولة، أو وسط ظلام القطب الجنوبي، أو تحت شمس لا تغيب قرب القطب الشمالي، بعدما منحتهم كأس العالم مساحة مشتركة للفرح والحزن والحديث عن كرة القدم، وقلصت شعورهم بالابتعاد عن العالم.



