تحديات تطوير كرة القدم في السعودية بين استقطاب النجوم وتراجع المواهب المحلية

تشهد الساحة الكروية في المملكة مرحلة تحول غير مسبوقة؛ فقد نجح دوري روشن للمحترفين في جذب مجموعة من أبرز نجوم الكرة العالمية، وأصبح محط أنظار وسائل الإعلام الرياضية على الصعيد الدولي. غير أن هذا الارتفاع الملحوظ على مستوى الأندية لم يترجم إلى تحسين ملحوظ للمنتخب الوطني ولا لتطوير اللاعبين السعوديين، إذ ظهرت مؤشرات مقلقة تستدعي وقفة جادة وإعادة تقييم شاملة، لا سيما بعد خروج المنتخب مبكرًا من دور المجموعات في كأس العالم الأخيرة.
نظام اللاعبين الأجانب: سلاح ذو حدين
تسمح اللوائح الحالية لكل نادٍ في دوري روشن بتسجيل عشرة لاعبين أجانب، ويُسمح لثمانية منهم بالمشاركة في تشكيلة المباراة، بينما يبقى اللاعبان الآخران على أهبة الاستعداد. إذا افترضنا أن الأندية تميل إلى الاعتماد على المحترفين الأجانب في التشكيلة الأساسية، وهو ما يلاحظه المتابعون في معظم اللقاءات، فإن فرص اللاعبين السعوديين في المقاعد الأساسية لا تتعدى ثلاثة أو أربعة مراكز، وغالبًا ما يقتصر أحدها على حراسة المرمى.
تؤدي هذه المعادلة إلى إغلاق باب التمثيل أمام الشبان المحليين؛ فالمراكز الحيوية في صناعة اللعب والهجوم ودفاع الوسط تُحجز غالبًا للخبرات الأجنبية، ما يدفع العديد من المواهب الوطنية إلى مقاعد البدلاء أو إلى الإعارات المتكررة، وبالتالي تفقدهم فرص المنافسة المستمرة التي تُصقل المهارات. وعند استدعاء المنتخب للمسابقات الدولية، يُطلب منه تقديم مستويات عالمية بلاعبين لا يحصلون على دقائق كافية في دوريهم المحلي، وهو ما يخلق معادلة صعبة التوازن.
لا يعني ذلك الدعوة إلى إلغاء حضور الأجانب؛ فوجود النجوم العالمية رفع من القيمة الفنية والتسويقية للدوري ومنح اللاعبين السعوديين فرصة الاحتكاك بمستويات رفيعة. ما يُستدعى هو تحقيق توازن يربط عدد الأجانب بحد أدنى من الدقائق المخصصة للناشئين السعوديين، وتقديم حوافز مالية للأندية لتشجيع دمج المواهب المحلية وإعدادها للانتقال إلى الاحتراف خارج البلاد، بحيث يتحول الأجنبي من بديل إلى معلم يُسهم في رفع مستوى اللاعبين المحليين.
جيل يكتفي بالمشاهدة ويتخلى عن اللعب
تظهر الأزمة الثانية بأثر أعمق على المدى البعيد، حيث تراجع ممارسة كرة القدم بين الأطفال والشباب. فقد تحول شريحة واسعة من الجيل الجديد من لاعبين في ساحات الأحياء إلى مشاهدين خلف الشاشات؛ يتابعون المباريات ويحفظون أسماء النجوم وإحصاءاتهم، ثم يستبدلون الجري في الملعب بأصابع تتحرك على أذرع التحكم في ألعاب الفيديو لساعات طويلة.
هذا النمط من الحياة يحمل تكاليف صحية كبيرة؛ فقلة الحركة والجلوس الطويل يرفعان معدلات السمنة والضعف البدني في سن مبكرة، ويؤثران سلبًا على اللياقة القلبية والعضلية. كما أن العزلة خلف الشاشات تقلل من مهارات التواصل والعمل الجماعي التي كانت ساحات الأحياء مدرستها الأولى. والأخطر من ذلك هو تآكل قاعدة الهرم الكروي؛ فالمنتخبات القوية لا تُبنى من فراغ، بل تُستمد من ملايين الأقدام الصغيرة التي تجري خلف الكرة في كل حي ومدرسة، ومنها تُستخرج النخبة.
الحلول المقترحة: الشراكة بين المدرسة والحي
تتمتع المملكة ببنية تحتية هائلة غير مستغلة بالكامل: آلاف المدارس التي تمتلك ملاعب وصالات تُغلق أبوابها بعد انتهاء اليوم الدراسي، وساحات وملاعب الأحياء المنتشرة في المدن. يمكن تفعيل هذه المرافق لإعادة الكرة إلى أقدام الصغار دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة، شريطة أن يتم ذلك ضمن منظومة منظمة وتحت إشراف مناسب.
تقتر{} (تم تعديل لتجنب النس



