المواقف الصعبة تكشف جوهر الإنسان لا تغيره

تردّد على مسامعنا مراراً عبارة «فلان تغيّر» كلما لاحظنا تحولاً في مواقف شخص أو أخلاقه أو أسلوب تعامله مع المحيطين به. لكن بعد فترة طويلة من التدبر، ترسخت قناعة لدي بأن البشر لا يتحولون بهذه البساطة؛ فالذي يتغير حقاً هو المحيط والظروف، في حين يتكشف المخبوء في داخل الناس.
فالمرء قد يبدو متواضعاً ما لم يُمنح سلطة، وقد يبدو كريماً ما لم يمر بضائقة مالية، وقد يبدو وفياً ما لم تُعرض عليه منفعة أكبر، وقد يبدو عادلاً ما لم يختبر بين رغبته والحق. وعندما تتبدل الظروف، لا تتبدل الأخلاق، بل تظهر على حقيقتها.
المناصب والمال والخلافات: مرايا للحقيقة
لذلك فإن المناصب لا تخلق المتكبرين، بل تظهرهم على حقيقتهم. والثروة لا تصنع البخلاء، بل تفضحهم. والخلاف لا يولد الغدر، بل يبرزه. أما المواقف العصيبة فهي الاختبار الحقيقي الذي تسقط فيه الأقنعة، ويبقى الوجه الطبيعي فقط.
إمكانية التطور لا تلغي فكرة الانكشاف
هذا لا يعني أن الإنسان عاجز عن التطور أو مراجعة ذاته؛ فالتربية والعلم والإيمان والخبرات كلها وسائل قادرة على تهذيب السلوك وصياغة شخص أفضل. غير أن الفارق كبير بين من يتغير بإرادته ومن ينكشف عندما يواجه اختباراً لم يتوقعه. الأول قد تسلق درجات الرقي، والثاني تكشفت حقيقته.
احذر من أحكام الرخاء
ربما الخطأ الذي نرتكبه هو أننا نصدر أحكاماً على الناس في أيام الرخاء، بينما الحقيقة لا تظهر إلا في أيام الشدة. ففي الرخاء تتسع صدور الجميع، وتكثر الوعود، وتتبادل المجاملات. أما عندما تتصادم المصالح، أو تُوزّع المسؤوليات، أو تظهر المكاسب، فهنا يبدأ الفرز الحقيقي.
دع المواقف تتحدث
لذا لا تتعجل في إطلاق الأحكام، لا بالثناء ولا بالقدح، واترك للمواقف حقها في الشهادة، فهي أصدق من الكلمات وأبلغ من الوعود وأعدل من الانطباعات. من السهل أن يتحدث المرء عن الوفاء، لكن الأصعب هو أن يبقى وفياً عندما يصبح الوفاء مكلفاً.
لا تتعجل في منح الناس أوسمة الفضيلة، ولا تتعجل في نزعها عنهم، واترك للمواقف حقها في الشهادة، فهي أصدق من الانطباعات وأعدل من العواطف وأبعد من المجاملات. ولكن قبل أن تنشغل بمن انكشف أمامك، توقف للحظة واسأل نفسك: لو وضعتني الحياة في الاختبار نفسه، ماذا كانت ستكشف عني؟
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.



