الريفي الأمريكي أمام صدمة 30 مليار دولار بعد اتفاقية ترامب مع الصين

تتجلى خلف الوعود اللامعة والأرقام الضخمة التي حملها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في حقيبة سفره، حقيقة مؤلمة تعيشها المناطق الريفية في الولايات المتحدة. فالمحاولة الأخيرة لإصلاح قطاع زراعي أصيب بنزيف شديد تبدو متأخرة، بعد أن تراجعت صادراته بنحو 30 مليار دولار نتيجة قرارات ارتجالية، ما جعل ما يُسمى بـ «الهدنة المليارية» الـ 17 الجديدة مجرد إنعاش أولي لمزارعين علقهم عبء الرسوم المتبادلة وشحّت عروقهم حرب الشحن في مضيق هرمز التي رفعت أسعار الأسمدة عالمياً.
تجديد تراخيص واستئناف الاستيراد
وفقاً للتفاهمات الأخيرة، ستعيد الصين فتح أسواقها أمام لحوم البقر الأمريكية عبر تجديد تراخيص مئات المصانع التي تضررت في السابق، كما ستستأنف استيراد الدواجن من الولايات التي أعلنت وزارة الزراعة الأمريكية خلوها من أنفلونزا الطيور. وتُعَدّ هذه الخطوة استمراراً لتعهدات بكين التي قطعتها في أكتوبر الماضي بخصوص شراء فول الصويا، وهو ما يُعيد تنشيط مسارات التصدير التي توقفت تماماً عندما أوقفت الصين مشترياتها العام الماضي ردًا على رفع الجمارك الأمريكية.
خسائر القطاع الزراعي وفق وزارة الزراعة الأمريكية
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية إلى حجم الخسائر الفادحة التي تكبدها القطاع الزراعي خلال حرب الرسوم. فقد ارتفعت واردات الصين من السلع الزراعية الأمريكية من ذروتها البالغة 38 مليار دولار في عام 2022 إلى انخفاض حاد لا يتجاوز 8 مليارات دولار في عام 2025، ما يُعادل فرقاً صادماً يقدر بـ 30 مليار دولار. وشمل هذا الانخفاض انخفاضاً حاداً في مشتريات فول الصويا من 18 مليار دولار إلى 3 مليارات دولار فقط، وتراجعت قيمة واردات لحوم البقر إلى أقل من 500 مليون دولار بعد أن سجلت 2.14 مليار دولار في عام 2022.
وبالنسبة إلى المحصول الاستراتيجي الأبرز، تُظهر بيانات الجمعية الأمريكية لفول الصويا (ASA) أن الصين استوردت حتى مطلع مايو الجاري ما مجموعه 10.9 ملايين طن متري فقط، وهو ما يُقلّص فرص الوفاء بالتعهدات السابقة التي كانت تمتد حتى نهاية السنة التسويقية في 31 أغسطس، في ظل أن حجم الاستيراد التاريخي للصين يتراوح عادة بين 25 و30 مليون طن سنويًا.
تفاصيل التفاهمات المعلقة بين الجانبين
أشار تقرير وزارة التجارة الصينية إلى سعي الطرفين لتحقيق “تقدم جوهري” لإزالة العقبات غير الجمركية وتسهيل وصول المنتجات إلى الأسواق. وتعهدت الولايات المتحدة “بالعمل بجدية” لمعالجة مخاوف بكين بشأن احتجاز منتجات الألبان والمأكولات البحرية الصينية، وتصدير أشجار البونساي، والاعتراف بمقاطعة شاندونغ كمنطقة خالية من أنفلونزا الطيور. وفي المقابل، ستُقدم الصين تسهيلات مماثلة لتسجيل منشآت تصنيع اللحوم الأمريكية وتسهيل دخول دواجن بعض الولايات.
لم يكن التحرك الأمريكي الأخير في بكين مجرد خطوة سياسية، بل جاء تحت ضغط شديد من كبرى الكيانات الإنتاجية. فقد قادت الجمعية الأمريكية لفول الصويا حملة واسعة دفع رئيسها سكوت ميتزجر إلى مطالبة الإدارة الأمريكية بوضع هذا المحصول في صدارة الأجندة التفاوضية، لتفادي فقدان السيطرة على السوق الآسيوي الذي يستهلك نصف الصادرات الأمريكية من الصويا.
من جانب آخر، تترقب كبرى شركات تصنيع اللحوم مثل “تايسون” (Tyson) و”كارغيل” (Cargill) تنفيذ بنود الاتفاق لإعادة تشغيل مئات المنشآت المتوقفة، على أمل استعادة جزء من حصصها السوقية التي تضررت بعد أن انخفضت عوائد تصدير الدواجن إلى الصين من مليار دولار في عام 2022 إلى 286 مليون دولار فقط العام الماضي.
آفاق السوق البديلة وتقييم الخبراء
على الرغم من هذه الانفراجات، يرى خبراء الاقتصاد أن عودة الصين للمنتجات الأمريكية لا تزال محكومة بالحذر. فبكين، التي تدرك جيداً الصلة الوثيقة بين أمنها الغذائي وأمنها القومي، نجحت خلال فترة المقاطعة في تنويع مصادر إمداداتها واتجهت بقوة إلى أسواق بديلة مثل البرازيل والأرجنتين لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، ما قد يضعف استدامة الالتزامات الأخيرة على المدى الطويل.
تجاوزت نتائج القمة بين ترامب وشي جين بينغ الجانب الزراعي لتسعى إلى إرساء أُطر مؤسسية للعلاقات الاقتصادية بين القوتين. فقد تم الاتفاق على إنشاء هيئتين جديدتين: “مجلس التجارة” لإدارة تبادل السلع غير الحساسة، و”مجلس الاستثمار” لبحث القضايا الاستثمارية العالقة.
ورغم الترحيب الحذر من قبل المجتمع التجاري بهذه الخطوة التي قد تُوفر قدراً من الاستقرار والوضوح للسوق، فإن غياب آليات تفصيلية وتراجع طموحات الصين في شراء الطائرات ومصادر الطاقة مقارنةً بالتوقعات الأولية يترك الباب مفتوحاً لتساؤلات حول جدية هذه الاتفاقيات وقدرتها على الصمود أمام أي توترات سياسية مستقبلية.



