ليبيا تعوّل على خبرات تركيا لاستكشاف ثرواتها البحرية.. 5 أسئلة رئيسية تجيب

تفتح الإمكانات الهيدروكربونية الضخمة غير المستغلة في المناطق البحرية الليبية، إلى جانب الخبرات والقدرات التركية المتطورة في مجال المسح الزلزالي في أعماق البحار، آفاقاً جديدة للتعاون بين البلدين في قطاع الطاقة. ويؤكد مسؤولون ليبيون أن هذه الشراكة تستند إلى أسس قانونية دولية، وتأتي في وقت تسعى فيه طرابلس إلى تسريع وتيرة استكشاف واستخراج مواردها الطبيعية.
وأوضح موسى الكوني، نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، في تصريحات سابقة لوكالة الأناضول، أن مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين بشأن مناطق الصلاحية البحرية تتوافق تماماً مع القانون الدولي. وجاء تصديق مجلس النواب الليبي على هذه المذكرة في 20 أكتوبر/تشرين الأول، مما أثار ردود فعل واسعة في أثينا.
وأشار الكوني إلى أن الجزء الأكبر من ثروات ليبيا لا يزال غير مكتشف، داعياً إلى ضرورة تعزيز التنسيق بين تركيا وليبيا في مجال استكشاف النفط والغاز الطبيعي واستخراجهما. ويرى خبراء ليبيون أن الاتفاقية تفتح فرصاً استراتيجية واسعة، بدءاً من الاستكشافات الهيدروكربونية وتطوير الحقول البحرية، وصولاً إلى تحويل البلاد إلى وجهة جاذبة للاستثمارات العالمية وتنشيط الاقتصاد الوطني.
إمكانات هيدروكربونية هائلة تنتظر الاكتشاف
وفقاً لتقارير المؤسسة الوطنية للنفط الليبية ومراكز بيانات الطاقة الدولية، فإن نحو 70% من الأراضي والمناطق البحرية الليبية لم تخضع بعد لمسح زلزالي شامل أو أنشطة استكشافية تفصيلية. ويقع جزء كبير من هذه الموارد غير المكتشفة في المناطق البحرية.
وتشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن ليبيا تمتلك احتياطيات مؤكدة تبلغ 48.4 مليار برميل من النفط الخام، ونحو 1.5 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. وتحتل ليبيا المرتبة الأولى في أفريقيا والعاشرة عالمياً من حيث احتياطيات النفط المؤكدة، والمرتبة الحادية والعشرين عالمياً من حيث احتياطيات الغاز.
ويقدر خبراء المؤسسة الوطنية للنفط أن إجمالي الإمكانات النفطية قد يصل إلى 90 مليار برميل، مع إجراء عمليات المسح الزلزالي في الحقول غير المكتشفة، التي يقع معظمها في المناطق البحرية. وتشير التقديرات إلى أن الإمكانات غير المكتشفة تضاهي الاحتياطيات المؤكدة حالياً، بينما يُعتقد أن حجم الغاز الطبيعي المحتمل يتجاوز ثلاثة أضعاف الاحتياطيات القائمة.
أسطول تركي متطور للمسح الزلزالي في أعماق البحار
تمتلك تركيا اليوم رابع أكبر وأحدث أسطول للطاقة البحرية على مستوى العالم، بفضل قدراتها في الاستكشاف والتنقيب عن الهيدروكربونات في البحار المفتوحة. ويضم الأسطول تسع سفن، منها سفن التنقيب ‘فاتح’ و’ياووز’ و’قانوني’ و’عبد الحميد خان’ و’تشاغري باي’ و’يلدريم’، وسفينتا الأبحاث الزلزالية ‘بربروس خير الدين باشا’ و’إم تي إيه عروج ريس’، بالإضافة إلى أول منصة عائمة لإنتاج الغاز الطبيعي ‘عثمان غازي’.
وتلعب سفينة ‘إم تي إيه عروج ريس’، وهي سفينة أبحاث مجهزة بالكامل صُنعت في ترك بموارد محلية، قادرة على إجراء مسوحات زلزالية ثنائية وثلاثية الأبعاد في أعماق البحار، مما يتيح رسم خرائط للهياكل الجيولوجية تحت قاع البحر على أعماق تصل إلى آلاف الأمتار. أما سفينة ‘بربروس خير الدين باشا’، أول سفينة في أسطول الاستكشافات الزلزالية التركي، فقد أجرت مسوحات غطت مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة في البحرين المتوسط والأسود.
وتتكامل سفينتا الأبحاث الزلزالية مع أسطول سفن التنقيب في أعماق البحار، التي تتولى تنفيذ عمليات الحفر في أعماق البحار. وتستخدم بياناتها في تحديد الهياكل التي قد تحتوي على موارد هيدوكربونية وتخطيط لعمليات الحفر.
إنجازات وإنجازات ترك في مجال الاستكشاف
تعد سفن الأبحاث الزلزالية التركية الركيزة الأساسية لاستراتيجية البلاد الرامية إلى تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، بفضل ما حققته من نجاحات في عمليات الاستكشاف وما اكتسبته من خبرات تشغيلية. وقد مكنت عمليات المسح ورسم الخرائط المكثفة التي أجرتها سفينتا ‘بربروس خير الدين باشا’ و’إم تي إيه عروج ريس’ في البحر الأسود وشرق البحر المتوسط، من تنفيذ استراتيجية تركيا للاستكشاف الهيدوكربوني في البحار المفتوحة بنجاح.
وأدت البيانات الزلزالية التي وفرتها هاتان السفينتان إلى تحقيق أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في تاريخ تركيا، وذلك في البحر الأسود. وفي مهمة استغرقت 234 يومًا في الصومال، أجرت سفينة ‘عروج ريس’ عمليات مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد غطت مساحة بلغت 4,464 كيلومتر مربعًا، موزعة على ثلاث مناطق بحرية منفصلة.
بعد أن حقق الأسطول قدرة تشغيلية عالمية، يواصل تنفيذ أنشطة المسح الزلزالي بنجاح، ليس فقط داخل مناطق الصلاحية البحرية التركية، بل أيضًا في مناطق مرخصة بمواقع جغرافية أخرى في إطار الاتفاقيات الدولية.
اتفاقيات الشراكة بين تركيا وليبيا في مجال الهيدوكربونات
في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2022، وقعت تركيا وليبيا مذكرة تفاهم في طرابلس تتعلق بالتعاون في مجال الهيدوكربونات. تهدف هذه المذكرة إلى تسهيل الأنشطة العلمية والتقنية وأعمال الاستكشاف والحفر المشتركة بين الشركات التركية والليبية، وذلك ضمن النطاقات البرية والبحرية لكلا البلدين، بما في ذلك مناطقهما الاقتصادية الخالصة.
وتعد مذكرة التفاهم المذكورة مكملة لمذكرة التفاهم المبرمة عام 2019 بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية بين تركيا وليبيا، مما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون بين الدولتين. تجدر الإشارة إلى أن مؤسسة البترول التركية (TPAO) تمتلك تراخيص لاستكشاف حقول النفط في ليبيا تعود إلى ما قبل الحرب. كما حصلت مؤسسة البترول التركية، بالشراكة مع شركتي ‘ريبسول’ الإسبانية و’مول’ المجرية، على حقوق التنقيب في المربع البري (C3) والمربع البحري (O7).
ويشير مسؤولون وخبراء ليبيون إلى أن مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم لعام 2019 بشأن مناطق الصلاحية البحرية فتح الباب على مصراعيه أمام مشاريع طاقة مشتركة جديدة بين البلدين، سواء في المناطق البرية أو البحرية.
وصرح موسى الكوني، نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، بأن مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم المتعلقة بمناطق الصلاحية البحرية تفتح الباب بالكامل أمام تركيا للمشاركة في مشاريع في جميع أنحاء ليبيا. وفي رسالة وجهها إلى شركات الطاقة التركية، قال الكوني إن تركيا ستكون شريكًا رئيسيًا في هذا الصدد، معربًا عن أمله في أن تبادر قبل الدول الأخرى. وأضاف: ‘نتوقع من الشركات التركية الكبرى والمعروفة أن تؤسس حضورًا لها في مختلف أنحاء ليبيا، لا سيما في هذه المرحلة، للمساهمة في عمليات استخراج النفط والغاز وتسويقها’.
وبالنظر إلى الإمكانات الهائلة وغير المستغلة للهيدوكربونات في ليبيا، سواء في البر أو في عرض البحر، وما تمتلكه تركيا من قدرات قوية في مجال المسح الزلزالي في أعماق البحار، فمن المتوقع نشوء شراكات وتعاون جديد بين البلدين في قطاع الطاقة.




