لحظة الاختبار الحقيقي: حين تكشف الحياة معادن البشر

كان يعتقد أنه يعرف ذاته جيداً. كان يقول بثقة: لو واجهت هذا الموقف لتصرفت بطريقة كذا، ولو خُيّرت لاخترت الصواب، ولو شهدت ظلماً لما صمت.
غير أن الحياة لا تختبر الناس وهم يتحدثون، بل حين يُبتلون. وهناك تأتي لحظة الاختبار الحقيقي.
اختبار بسيط لكنه عميق
لم يكن الامتحان بالضخامة التي تخيلها، ولم يتراوح بين الحياة والموت، بل كان بسيطاً: كلمة حق قد تكلفه منصباً، أو موقف صادق قد يغضب شخصاً ذا نفوذ، أو وفاء لصديق قد يجلب له متاعب لا يحتاجها.
وهناك اكتشف نفسه للمرة الأولى. فالإنسان لا يدرك مقدار شجاعته قبل أن يشعر بالخوف، ولا يعرف حجم وفائه قبل أن يُطلب منه، ولا يدرك قوة مبادئه قبل أن تصبح لها تكلفة.
الرخاء لا يكشف الحقيقة
لذلك لا تعجبني الأحكام التي نصدرها على أنفسنا في أوقات الرفاهية، لأن الرفاهية لا تمتحن أحداً. الاختبار الحقيقي يبدأ حين تتصادم المصلحة مع المبدأ، والسلامة مع الكلمة، والخوف مع الضمير. هناك فقط تأتي لحظة الاختبار الحقيقي.
ولهذا لا تقاس قيمة الإنسان بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله عندما يصبح قادراً على التراجع أو الصمت أو تغيير موقفه، ثم يختار ألا يفعل.
الساعة التي تكشف الجوهر
أظن أن أجمل ما في الحياة أنها تمنح كل إنسان هذه اللحظة مرة واحدة على الأقل. قد تأتي في منزله، أو في عمله، أو مع صديق، أو في موقف يظنه عابراً، لكنها لا ترحل قبل أن تجيب عن سؤال واحد: من أنت حين تُختبر؟
فإذا خرج الإنسان من لحظة الاختبار الحقيقي محتفظاً بضميره، فقد ربح ذاته، ولو خسر أشياء كثيرة. أما إذا خرج منها وقد نال الدنيا بأسرها، لكنه خسر احترامه لنفسه، فسيظل طوال عمره يبحث عن انتصار لا يجده.
لأن لحظة الاختبار الحقيقي لا تصنع الإنسان، إنما تكشفه.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.




