وساطة إيطالية جديدة لإنهاء أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا

فتحت إيطاليا مساراً دبلوماسياً جديداً لمحاولة حل النزاع المستمر حول سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، معلنة استعدادها للتوسط بين البلدين، وذلك في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات دولية مكثفة لإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات التي توقفت منذ عام 2024.
مسار الوساطة الإيطالية والأمريكية
ينضم التحرك الإيطالي إلى جهود أمريكية بدأت في يناير 2026، حين بعث الرئيس دونالد ترامب خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف الوساطة بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل. وجدد ترامب هذا التوجه في يونيو الماضي خلال لقائه بالسيسي، وفق ما أفاد به بيان صادر عن الرئاسة المصرية آنذاك.
وفي مطلع سبتمبر الجاري، أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره المصري بدر عبد العاطي في القاهرة، استعداد بلاده للوساطة، معرباً عن رغبة روما في “الاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة”. وأضاف تاياني أن إيطاليا مستعدة لتيسير حوار بين مصر وإثيوبيا في روما خلال الأسابيع المقبلة، إذا رغب البلدان في ذلك، بحسب وسائل إعلام مصرية.
دعم صيني لأمن مصر المائي
بالتوازي مع الوساطتين الأمريكية والإيطالية، تلقت القاهرة دعماً صريحاً من بكين بشأن أمنها المائي. فخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، أكدت الصين، وفق بيان مشترك صادر في 2 سبتمبر الجاري، حق مصر في حماية أمنها المائي، وأيدت التزام دول حوض النيل بالقانون الدولي.
تصريحات مسؤولين وخبراء حول فرص النجاح
في تصريحات للأناضول، رأى مسؤولان مصريان سابقان أن علاقات روما الجيدة مع القاهرة وأديس أبابا قد تساعد في تقريب وجهات النظر، شريطة وجود إرادة إثيوبية للتوصل إلى اتفاق يحقق مصالح الجميع، بما يضمن التنمية لإثيوبيا وعدم المساس بالحقوق المائية لمصر. في المقابل، رجح محلل سياسي إثيوبي قبول أديس أبابا استئناف المفاوضات من حيث المبدأ، لكن دون مناقشة الحصص المائية وثباتها أو زيادتها، معتبراً أن القاهرة تراهن بصورة أكبر على الوساطة الأمريكية لما تملكه واشنطن من أوراق ضغط.
وقال رئيس الوفد الفني المصري الأسبق بمفاوضات سد النهضة حسام مغازي إن “بعض الدول الصديقة مثل الولايات المتحدة أو إيطاليا تحاول نزع فتيل هذه الأزمة”، مشيراً إلى أن ذلك يأتي في ظل تصريحات إثيوبية حديثة حول بناء سدود جديدة والتحكم في المياه، مما يثير حفيظة دول المصب مصر والسودان. وأضاف أن لإيطاليا علاقات ممتازة مع مصر وعلاقات تاريخية طيبة مع إثيوبيا، مما قد يجعلها شريكاً في التفاوض لتقريب وجهات النظر. ورجح مغازي أن إعلان إيطاليا عن مساعيها جاء بعد الحصول على الضوء الأخضر من الجانبين الإثيوبي والمصري، لكنه استدرك بأن سعي إثيوبيا لخلق منافذ لها على القرن الإفريقي والبحر الأحمر قد يزيد الأمور تعقيداً. وتابع: “دخول إيطاليا على خط الأزمة ربما يكون أكثر إيجابية، وتتفاعل معه إثيوبيا لتحسين صورتها الخارجية ولتظهر بمظهر الجاد. النوايا ستتضح بعد ذلك، وسنرى ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة”.
من جانبه، رأى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية صلاح حليمة أن الحراك الدولي من أطراف ذات وزن وتأثير استراتيجي يشكل في مجمله “ضغوطاً قوية وحقيقية على الجانب الإثيوبي”، مشيراً إلى رسائل الصين غير المباشرة، والتحرك الإيطالي، وما عبر عنه ترامب علناً. وعن توقيت التوصل إلى حل، قال حليمة إن تسوية الأزمة “لن تتطلب أكثر من بضعة أشهر، حال توافرت لدى إثيوبيا الإرادة السياسية الصادقة للاستجابة للحقوق المشروعة وفق القانون الدولي والاتفاقيات المائية”. وأضاف أن الحل يتطلب أيضاً توجهاً إثيوبياً نحو بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة واحترام القوانين المنظمة. وشدد على أن “صفحة قضية السد الإثيوبي لن تطوى أبداً، ومصر لن تصمت على حقوقها المائية الوجودية، وستعتبر أي تهديد لها يصنف كعدوان صريح يجب دفعه ودرؤه بكافة السبل قبل وقوعه”. واعتبر حليمة أن كثرة الوساطات تعني أن المجتمع الدولي يدرك أن المرحلة المقبلة تتطلب منتهى الجدية والحسم، محذراً من أنه إذا لم تقبل إثيوبيا وتجاوبت بالرفض، فإن المرحلة الثالثة والأخيرة ستكون باللجوء المباشر إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السادس من ميثاق المنظمة الدولية. وتابع أنه في حال فشل المسار السلمي، فإن مصر قد تلجأ إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، استناداً إلى حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51، معتبراً أن أي تهديد للأمن المائي يسبب أضراراً جسيمة لدول المصب “يعد عدواناً يتعين درؤه ومنعه قبل وقوعه”.
وتطالب القاهرة والخرطوم بالتوصل أولاً إلى اتفاق ثلاثي قانوني وملزم بشأن قواعد ملء السد وتشغيله، بما يضمن عدم الإضرار بحقوقهما ومصالحهما المائية. في المقابل، ترى إثيوبيا أن تشغيل السد لا يستلزم توقيع اتفاق ملزم، وتؤكد أنها لا تعتزم الإضرار بمصالح أي دولة أخرى. وفي 20 أغسطس الماضي، أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي رفض بلاده إقامة سدود إثيوبية جديدة على نهر النيل، مشدداً على “حق الدفاع الشرعي عن مصالحها وأمنها المائي”. ولم تعلن أديس أبابا موقفاً من الوساطتين الإيطالية والأمريكية حتى الآن.
وقال المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إن نجاح وساطة إيطاليا وواشنطن بين إثيوبيا ومصر يعتمد على مدى حرص أطراف القضية على نجاحها، وعدم وضع شروط تتسبب في فشل المفاوضات. وأضاف: “من النقاط المهمة بالنسبة لإثيوبيا حصر المفاوضات حول تعبئة وتشغيل سد النهضة وعدم الحديث عن تضمين أي بند حول حصص المياه وما شابه ذلك”. وتابع: “لم يصدر موقف من أديس أبابا، لكن في الغالب إثيوبيا مع استئناف التفاوض وسبق أن دعت مصر لذلك”. وعن مدى تفاؤله بإمكانية نجاح الوساطتين، قال عبد الصمد: “ليس كثيراً، لأن مصر تنتظر الوساطة الأمريكية التي تراها تملك أوراق الضغط لصالحها”.
وتقدر حصة مصر من مياه نهر النيل بنحو 55.5 مليار متر مكعب. ويتشارك حوض نهر النيل، الذي يمتد لنحو 6 آلاف و650 كيلومتراً، 11 دولة، هي بوروندي ورواندا والكونغو الديمقراطية وكينيا وأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان والسودان ومصر.



