عربي و عالمي

الجلوس المطول خلف المكاتب.. مخاطر صحية صامتة على الموظفين

الجلوس المطول خلف المكاتب.. مخاطر صحية صامتة على الموظفين

الجلوس لساعات طويلة أمام المكاتب لم يعد مجرد روتين وظيفي، بل تحول إلى تحدٍ صحي يرتبط بآلام العضلات والمفاصل وتراجع النشاط البدني، وقد يؤثر على راحة الموظف وقدرته على أداء مهامه اليومية.

الحركة ضرورية

الدكتور محمد عوض، استشاري جراحة العظام (القدم والكاحل)، يوضح أن الجلوس جزء طبيعي من الحياة اليومية، لكن المخاطر تتصاعد عندما يستمر لساعات متواصلة دون فترات للحركة والنشاط البدني. ويشير إلى أن تحديد حد زمني يصبح بعده الجلوس خطراً ليس دقيقاً لتباين الأفراد وظروفهم، موضحاً أن الجلوس المستمر قد يسبب تيبساً في العضلات والشعور بعدم الراحة.

يضيف أن آلام أسفل الظهر والرقبة والكتفين من الشكاوى الشائعة بين موظفي المكاتب، نتيجة ضغط مستمر على مجموعات عضلية معينة وضعف نشاط أخرى، ما قد يؤدي إلى إجهاد عضلي وصداع وآلام متكررة، وقد يمتد الأمر إلى القدمين، includin آلام الكعب أو وتر أخيل، وتتداخل أسبابها مع طبيعة النشاط اليومي وقلة الحركة.

يؤكد أن وضعية الجلوس غير السليمة ونقص الدعم المناسب يزيدان الضغط على العضلات والمفاصل، ويوصي بالوقوف والمشي خلال الاستراحات، وتغيير وضعية الجلوس، وممارسة تمارين الإطالة الخفيفة، وضبط ارتفاع الكرسي والمكتب والشاشة، وتجنب الانحناء المستمر نحو الشاشة.

ينبه الدكتور عوض إلى ضرورة متابعة الأعراض المتكررة مثل الألم المستمر أو المتزايد، والخدر والتنميل، وضعف العضلات، وتأثير الألم على النوم والأنشطة اليومية، ويشير إلى أهمية مراجعة الطبيب عند استمرار أو تفاقم هذه الأعراض، مشيراً إلى أن الرياضة بعد الدوام تفيد لكنها لا تغني عن الحركة المنتظمة خلال ساعات العمل، إذ يحتاج الجسم إلى تغيير وضعيته وتقليل فترات الخمول المتواصلة.

التغذية المتوازنة

من جانبها، تشير الدكتورة روان الأشقر، أخصائية الحمية والتغذية، إلى أن الحفاظ على صحة العضلات والعظام يتطلب دمج النشاط البدني مع التغذية السليمة، موضحة أن الغذاء يمد الجسم بالعناصر اللازمة للحفاظ على الكتلة العضلية ودعم قوة العظام، لكنه لا يحل محل الحركة والتمارين.

تنصح بتناول البروتين الموجود في البيض، الأسماك، الدواجن، اللحوم الخالية من الدهون، والبقوليات، بجانب مصادر الكالسيوم وفيتامين د مثل منتجات الألبان أو بدائلها المدعمة، مع الحرص على تنويع النظام الغذائي لتشمل الخضار، الفواكه، الحبوب الكاملة، المكسرات والبذور.

تحذر من أن نقص بعض العناصر مثل فيتامين د، الحديد، وفيتامين ب12، أو عدم الحصول على كفاية من البروتين قد يسهم لدى بعض الأفراد في الشعور بالإرهاق أو ضعف العضلات، لكنها تؤكد أن آلام العضلات والمفاصل متعددة الأسباب ولا ينبغي ربطها بالغذاء وحده، إذ قد تلعب قلة النشاط، ووضعيات الجلوس غير المناسبة، وعدم كفاية الراحة دوراً في زيادة الألم والانزعاج.

توضح أن المكملات الغذائية ليست ضرورية للجميع، ويجب أن تستند إلى الحاجة الفعلية وتقييم طبي، وتقترح خلال يوم العمل اختيار وجبات بسيطة ومتوازنة مثل الزبادي مع الفواكه والمكسرات، أو البيض مع خبز الحبوب الكاملة والخضار، أو شطائر الدجاج، التونة والحمص، بجانب السلطات وشوربة العدس، مشيرة إلى أن تحضير الوجبات مسبقاً وتوفر الماء في متناول اليد يساعد على تقليل تفويت الوجبات واللجوء إلى الأطعمة شديدة المعالجة بسبب ضيق الوقت.

بيئة عمل داعمة

توضح الدكتورة الصيدلانية شيماء كريمي أن الاهتمام بمشكلات الجلوس الطويل أدى إلى زيادة الإقبال على منتجات توفر دعماً إضافياً للجسم مثل مساند الظهر والرقبة والوسائد المخصصة للجلوس، التي يلجأ إليها بعض الأشخاص لتخفيف الشعور بعدم الراحة أثناء العمل.

تشير إلى أن هذه المنتجات قد تحسن الراحة وتقدم دعماً إضافياً، لكن مدى ملاءمتها يختلف حسب احتياجات المستخدم وطبيعة الأعراض، ولا تعالج بالضرورة الأسباب الأساسية للألم، وتشدّد على أهمية اختيار ما يوفر دعماً مناسباً دون إجبار الجسم على وضعية غير مريحة، مع عدم اعتبارها بديلاً عن الحركة المنتظمة أو عن بيئة عمل مُعدّة بشكل سليم.

تضيف أن استمرار الألم أو تفاقمه، أو اقترانه بالخدر والتنميل أو ضعف العضلات، يستدعي مراجعة الطبيب بدلاً من الاعتماد على الوسائل الداعمة وحدها.

تشارك سندية الزيودي تجربة عملها في مجال التدريس التي تفرض عليها استخدام الحاسوب لفترات طويلة لإعداد الدروس والأنشطة التعليمية وتصميم العروض والأوراق التدريبية، ما يسبب لها الإجهاد والشعور بالتعب، خصوصاً في الرقبة والكتفين وأسفل الظهر، إلى جانب إجهاد العينين نتيجة التركيز المستمر أمام الشاشة.

تقول إن هذه الأعراض قد تؤثر على راحتها وتركيزها أثناء العمل وتمتد أحياناً إلى ما بعد الدوام، وترى أن الحد من آثار الجلوس الطويل يتطلب تغيير وضعية الجلوس بانتظام، وأخذ استراحات قصيرة للحركة، واستخدام كرسي يوفر دعمًا مناسباً للظهر، وضبط ارتفاع الشاشة ولوحة المفاتيح بما يتناسب مع وضعية الجسم.

تؤكد على دور المؤسسات في تهيئة بيئة عمل تراعي صحة الموظفين من خلال توفير كراسٍ قابلة للتعديل، وتنظيم أماكن العمل بصورة سليمة، إلى جانب نشر الوعي بممارسات الجلوس الصحيحة وتشجيع الحركة خلال اليوم، مشيرة إلى أن صحة الموظف تنعكس على راحته وإنتاجيته وجودة أدائه.

تحكي فاطمة السويدي تجربة أكثر صعوبة، إذ عانت لسنوات من آلام متزايدة في الظهر قبل أن تُشخص بمشكلة في الغضاريف (الديسك)، وتخضع لتدخل جراحي بعد عدم نجاح العلاجات التحفظية في السيطرة على الألم.

تقول إن التجربة دفعتها إلى الاهتمام أكثر بوضعية الجلوس والحركة خلال ساعات العمل، مشيرة إلى أن التعامل المبكر مع الأعراض وطلب التقييم الطبي كانا مهمين في رحلتها مع الألم.

تشير نورة عبد الله الكعبي إلى أن طبيعة عملها المكتبي تفرض عليها البقاء فترات طويلة أمام شاشة الحاسوب، ما تسبب لها في آلام متكررة أسفل الظهر وأثر على راحتها خلال الدوام.

تقول إنها لجأت إلى شراء مخدة داعمة للجلوس لتخفيف الضغط على أسفل الظهر وتحسين وضعية الجلوس، مبينة أن ذلك ساعدها في تقليل الشعور بعدم الراحة، لكنه لم ينهِ المشكلة تماماً، إذ ما زالت تحتاج إلى فترات حركة متكررة وتمارين تمدد خلال اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *