بطاريات أوروبا تترقب شتاءً استثنائياً بعد استثمار 40 مليار دولار

تستعد شركات تشغيل البطاريات في القارة الأوروبية لاستقبال أحد أكثر فصول الشتاء ربحية لها على الإطلاق، مع اقتراب تقلبات أسعار الكهرباء قصيرة الأجل من مستويات غير مسبوقة منذ أزمة الطاقة التي شهدها العالم في عام 2022. وتُتداول أسعار الغاز حالياً قرب أعلى مستوياتها في أربع سنوات، مما يجعل الكهرباء أكثر كلفة في الأوقات التي تضطر فيها المحطات العاملة بالغاز إلى تلبية الطلب، وفقاً لوكالة بلومبرغ.
فجوة سعرية متزايدة بين ساعات الذروة والانخفاض
في الوقت نفسه، يؤدي التوسع المتسارع في محطات طاقة الرياح والطاقة الشمسية في أوروبا إلى دفع الأسعار نحو الانخفاض الحاد كلما توفرت الطاقة المتجددة بوفرة. والنتيجة هي اتساع الفجوة بين أعلى وأدنى أسعار للكهرباء خلال اليوم الواحد، وهي فجوة تستغلها البطاريات لتحقيق أرباح كبيرة.
وقد استثمرت أوروبا نحو 40 مليار دولار في تقنيات البطاريات منذ الأزمة الأخيرة، ما أدى إلى بناء منظومة واسعة النطاق أصبحت مهيأة للاستفادة من هذه التقلبات السعرية. وقد يكشف هذا الشتاء عما إذا كان هذا التوسع كافياً لتمكين البطاريات من الوفاء بوعودها، وهي كبح جماح الارتفاعات الحادة في الأسعار، وبالتالي خفض التكاليف على المستهلكين.
المملكة المتحدة في الصدارة: فارق سعري 80%
وفي المملكة المتحدة، التي تُعد أكبر سوق للبطاريات في أوروبا، ارتفع متوسط الفارق اليومي بين ساعات الذروة في الأسعار وساعات انخفاضها بنسبة 80% مقارنة بالعام الماضي، ليصل إلى نحو 123 جنيهاً استرلينياً لكل ميجاواط/ساعة في شهر سبتمبر. ويتوقع أن تزداد هذه التقلبات حدة في الأشهر المقبلة.
وقال بول شيفيلد، المدير التجاري في مجموعة «دراكس»، وهي شركة لتوليد الطاقة في المملكة المتحدة تعمل على تكثيف استثماراتها في هذا القطاع، إن «الطقس الأكثر برودة ومستويات الرياح غير المتوقعة تؤدي بالفعل إلى تقلبات أكبر في أسعار الكهرباء اليومية، ما يخلق بيئة أكثر ملاءمة للبطاريات». وأضاف أن البطاريات يمكن أن تسهم في معالجة مشكلة أوسع؛ فمع توسع الاعتماد على الطاقة المتجددة وتأثيرها المتزايد على السوق تبرز حاجة ملحة لقدرات مرنة في الشبكة. وفي ظل توجه أوروبا للابتعاد عن الوقود الأحفوري، ومع استغراق بناء محطات الطاقة النووية الجديدة سنوات طويلة، بدأت البطاريات تلعب دوراً متزايد الأهمية في سد هذه الفجوة. وتتدفق الاستثمارات من جهات متنوعة، بدءاً من كبرى شركات الطاقة، وصولاً إلى مرافق الخدمات العامة وصناديق البنية التحتية.
أرباح قياسية وانتقال إلى سوق الجملة
وقد بدأ بعض المشغلين بالفعل في تحقيق الأرباح؛ إذ تشير بيانات شركة «هارموني إنيرجي»، التي تدير 10 مواقع للبطاريات في أنحاء المملكة المتحدة، إلى أن أرباحها في شهر سبتمبر بلغت نحو 4 ملايين جنيه استرليني (5.3 ملايين دولار) عبر كامل أسطولها. ووفقاً لمؤسس الشركة، بيتر كافانا، يُعد هذا الرقم الأعلى على الإطلاق، متجاوزاً متوسط الأرباح المسجل منذ بداية العام بنسبة 62%.
كما أصبح هذا القطاع أكثر انكشافاً على تقلبات أسعار الجملة للكهرباء. ففي السابق كان المشغلون يحققون معظم إيراداتهم من خلال ما يعرف بـ«الخدمات المساعدة»، حيث تتقاضى البطاريات مقابلاً مادياً للمساعدة في موازنة الشبكة الكهربائية والحفاظ على ترددها. لكن مع توسع القدرة التخزينية وصل هذا السوق إلى مرحلة التشبع. ووفقاً لبيانات شركة الاستشارات المتخصصة «مودو إنيرجي»، فقد شكلت عمليات التداول في سوق الجملة نحو 73% من إيرادات القطاع في المملكة المتحدة خلال الـ12 شهراً المنتهية في أغسطس، مقارنة بأقل من 20% في عام 2022.
التآكل الذاتي وتوسع القدرات في أوروبا
ويؤدي التوسع في القدرة التخزينية إلى احتدام المنافسة على استغلال تقلبات الأسعار ذاتها، ما يخلق ظاهرة يطلق عليها في القطاع اسم «التآكل الذاتي»؛ فمع دخول المزيد من البطاريات إلى السوق قد تنخفض الأرباح المحتملة لكل وحدة منها. وأوضح كافانا أن السوق البريطانية أصبحت أكثر ازدحاماً مع الارتفاع الكبير في القدرة التخزينية، ما يضع ضغوطاً على الإيرادات التي تحققها كل بطارية. رغم ذلك أشار إلى أن السوق لا تزال تتمتع بحجم كافٍ لاستيعاب المزيد من سعات التخزين.
ووفقاً لـ«بلومبرغ إن إي إف»، يتوقع أن ترتفع قدرة البطاريات المخصصة للمرافق العامة في المملكة المتحدة إلى نحو 10.4 جيجاوات هذا العام (2026)، صعوداً من نحو 2 جيجاوات عام 2022. وقد شهدت دول أوروبية أخرى نمواً سريعاً مماثلاً؛ ففي ألمانيا من المتوقع أن ترتفع قدرة البطاريات المخصصة للمرافق العامة إلى نحو 4.6 جيجاوات هذا العام، مقارنة بـ 1.2 جيجاوات في عام 2022، بينما ستتضاعف القدرة في فرنسا أربع مرات لتصل إلى 1.2 جيجاوات.
وفي هذا الشهر رفعت شركة «مودو إنيرجي» توقعاتها لإيرادات عام 2027 الخاصة ببطارية ألمانية ذات سعة تخزينية تكفي لساعتين بنحو 20% مقارنة بتقديراتها في شهر يوليو، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى ارتفاع أسعار الغاز. وتعتمد التوقعات الراهنة، جزئياً، على الصراع في الشرق الأوسط، وقدرة أوروبا على إعادة ملء مخزوناتها المنخفضة من الغاز، ومدى حدة موجات البرد خلال فصل الشتاء. وقال كافانا: «ستكون المملكة المتحدة وبقية دول أوروبا أكثر عرضة للتقلبات».




