كتاب و آراء

صرخة متعامل: «أريد التحدث إلى إنسان»

صرخة متعامل: «أريد التحدث إلى إنسان»

في زمن تتسارع فيه وتيرة الرقمنة والتحول الذكي، يجد كثير من المتعاملين أنفسهم أمام معضلة لا تحلها الخيارات الإلكترونية ولا قوائم المساعدة الطويلة. ما يحتاجونه في لحظة الإحباط هو ببساطة شخص حقيقي يستمع إليهم، لكن الوصول إلى هذا الشخص قد يتحول إلى عقبة أصعب من المشكلة الأصلية، خصوصاً حين تقع الحالة خارج نطاق ما يستوعبه المساعد الافتراضي.

تطور الخدمات وفجوة التواصل

شهدت الإمارات خلال الأعوام الأخيرة نقلة نوعية في الخدمات الحكومية والخاصة، فتحولت معاملات كانت تستغرق ساعات إلى إجراءات تنجز بنقرات من الهاتف. هذا التقدم يستحق الإشادة، لكن السؤال يبرز: ماذا يحدث عندما يكمل المتعامل إجراءاته ثم تظهر رسالة غامضة؟ يعود إلى القائمة، يعيد شرح المشكلة، يختار خيارات لا تعبر عن حالته. بعد المحاولة الثالثة يبدأ يشك: هل الخلل فيّ أنا أم أن النظام لا يفهم ما أحاول قوله؟

دائرة مغلقة من الإحباط

ما يثير استياء الناس ليس مجرد حدوث خطأ – فالأعطال واردة في أي نظام. المقلق أن يتحول الخطأ إلى حلقة مفرغة، وأن تكون عبارة «تواصل معنا» مجرد باب يعيد المتعامل إلى النقطة التي بدأ منها. من تجربتي في مجال العمليات، أدرك أن جودة الإجراء الحقيقية تظهر عند وقوع ما هو غير متوقع. لذلك أعتقد أن كل خدمة ذكية تحتاج إلى مسار واضح يصل بالمتعامل إلى موظف قادر على الاطلاع على المشكلة واتخاذ قرار، لا مجرد إعادة عرض التعليمات التي تظهر على الشاشة.

احترام وقت المتعامل

لا ينبغي أن يُجبر المتعامل على سرد قصته من البداية مع كل انتقال. إذا كان النظام يحتفظ برقم الطلب وسجل المحاولات السابقة، فلماذا لا تصل هذه المعلومات إلى الموظف المختص؟ احترام وقت الناس يبدأ بعدم مطالبتهم بتكرار ما قالوه سابقاً. يمكن للمؤسسات قياس جودة خدماتها من خلال تتبع عدد المحاولات قبل الوصول إلى المختص، ومدة الانتظار، وما إذا كانت المشكلة قد حُلّت نهائياً دون عودة المتعامل لفتحها من جديد. هذه المؤشرات تكشف عن جودة الخدمة أكثر مما تفعله رسالة «تم إنجاز المعاملة».

التوازن بين السرعة والإنسانية

لسنا مضطرين للاختيار بين الإنسان والتقنية. نحتاج إلى خدمة سريعة حين يكون الأمر بسيطاً، وإلى شخص يفهما حين يصبح معقداً. وإذا عجز النظام الذكي عن فهم المشكلة، فلا عيب في ذلك. العيب الحقيقي أن يُترك صاحب المشكلة وحيداً. ولهذا ستبقى عبارة «أريد التحدث إلى إنسان» طلباً يستحق أن نسمعه.

A.S.Alhebsi@
لقراءة مقالات أخرى للكاتب، يُرجى النقر على اسمه.
مسؤولية ما يرد في هذا المقال تقع على عاتق الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة أي مسؤولية عن الآراء الواردة فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *