الرئيسيةعربي و عالميعائلة بوعدي والعيناوي: جذور رياضية صاغت...
عربي و عالمي

عائلة بوعدي والعيناوي: جذور رياضية صاغت قلب المنتخب المغربي في مونديال 2026

20/06/2026 19:00

لم يكن سحر المباراة على العشب هو العنصر الوحيد الذي استحوذ على الأنظار خلال تلك الأمسية المونديالية؛ فالأحداث التي جرت خلف الكواليس حملت أبعاداً جيوسياسية وثقافية لا تستطيع الكاميرات التقاطها.

النجوم الصاعدين على أرض الملعب

في مركز وسط الملعب، ظهر أيوب بوعدي، الشاب الذي لم يتجاوز بعد عامه الأول في عالم الاحتراف، وهو يلاحق الكرة بهدوء يشبه لاعبي الخبرة الذين قادوا الميادين لعقود. وعلى مقربة منه، كان نائل العيناوي يتحرك بثقة لا تلين، إذ اعتاد على ضغوط المباريات الكبيرة منذ صغره، ويطلب الكرة في أصعب اللحظات كما لو كانت حقاً ملكياً له.

يظهر خط وسط المنتخب المغربي في مونديال 2026 أكبر من مجموع أعمار أعضائه وأكثر نضجاً من أي توقعات مبنية على الأوراق أو التجارب المفترضة.

جذور بوعدي: من كرة اليد إلى الاحتراف الكروي

نشأ أيوب في مدينة كريل الفرنسية داخل أسرة مغربية مهاجرة، حيث كان الوالد يمارس كرة اليد، الرياضة التي تفتقر إلى أضواء الشهرة لكنها تنقش قيم العطاء، التلاحم والالتزام في العقول. لم يُنظر إلى الموهبة الفطرية كأمرٍ يُحتفى به، بل كمسؤولية أخلاقية تستوجب الصقل والتطوير، إلى جانب التفوق الدراسي.

عندما سئل عن سر هدوئه ونضجه المبكر وسط صخب الجماهير، أشار إلى أن القيم التي تعلمها من والديه هي الأساس، وأن مفهوم العمل جاء قبل أي نظام أكاديمي أو تدريب أوروبي.

وبهذا الصدد، لا يُظهر بوعدي اندفاعاً تكتيكياً عابراً؛ بل يتصرف كفيلسوفٍ يمشي على أرض الملعب، يزن كل خطوة بدقة، ويتخذ القرار في أجزاء من الثانية، وكأن صوت الأسرة يرافق كل تحرك.

العيناوي: من مضرب التنس إلى ساحة الوسط الميداني

في مدينة نانسي، نشأ نائل العيناوي في بيت كان والده يونس العيناوي فيه أحد أبرز أيقونات الرياضة المغربية والعربية، حيث ارتقى إلى المركز الرابع عشر عالمياً في التنس وواجه كبار اللاعبين على الملاعب الرملية والعشبية.

لم يبحث نائل عن قدوة من الشاشات؛ فقد كان والده الجلوس معه على مائدة العشاء هو النموذج الحقيقي. شاهد بأم عينيه معاناة النهوض في الفجر لتحدي العالم، وتعلم كيف تُحول الهزيمة إلى حافز للمحاولة التالية.

رغم أن التنس كان هو الإرث الوظيفي لعائلته، فإن نائل اختار مساراً مختلفاً، متجهاً إلى كرة القدم. لم يكن ذلك رفضاً للوراثة، بل تمرداً هادئاً اختار فيه لعبة ذات شكل مختلف مع الحفاظ على صلابة النفس والقدرة على تحمل الضغط التي ورثها.

التكامل بين التراثين وظهور جيل جديد

من صرامة كرة اليد وعزلتها عن الأضواء جاء بوعدي بفلسفة الجماعة والانضباط، ومن بريق التنس ومواجهاته القوية جاء العيناوي بعقلية المقاتل الفردي الذي يدرك أن المسؤولية في اللحظات الحاسمة لا تُقَسَّم.

هذا التمازج بين التراثين ساهم في تكوين جيل جديد من لاعبي المنتخب المغربي، يختلف عن أسلافه الذين صنعوا ملحمة قطر 2022. فجيل الأمس كان يتألف إلى حد كبير من أبناء الهجرة الذين تغلبوا على التهميش والظروف الصعبة في ضواحي أوروبا.

أما جيل اليوم، فيحمل طبقة أرسطية جديدة؛ فقد نشأ في بيوت مستقرة تُعلي من قيمة الرياضة كثقافة يومية، لا كملاذٍ اقتصاديٍ وحيد. ورث هؤلاء اللاعبين معرفةً مسبقةً بمتطلبات النجاح وساعات التدريب الطويلة للوصول إلى القمة.

عند مشاهدة المشجع المغربي لأيوب بوعدي وهو يرسل كرةً غير متوقعة ببرودةٍ لا تشوبها أخطاء، أو لنائل العيناوي الذي يفرض إيقاعه الخاص في وسط الميدان، يدرك أن هؤلاء لا يحملون فقط القمصان الوطنية، بل يحملون قصصاً عميقة.

قصة أبٍ نقل كرة اليد إلى غرب فرنسا وأسس لابنه قيم الصبر، وقصة أبٍ نقل مضرب التنس إلى أضواء الملاعب العالمية وأشعل في قلب ابنه طموحاً لا يعرف حدوداً. بين هذين الإرثين المتكاملين وُلد قلب جديد لأسود الأطلس، قلب لا يقتصر على الموهبة الفطرية، بل يتوارث ثقافة رياضية متجذرة، يعيد صياغتها بطريقته الفريدة على أكبر مسارح كرة العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *