الاقتصاد على شكل حرف K: اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء يهدد الاستقرار العالمي

مفهوم الاقتصاد على شكل حرف K
أعاد جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق، إلى الأذهان فكرة تُعرف بـ«الاقتصاد على شكل حرف K»، والتي تصف تعافيًا غير متساوٍ بعد الأزمات الكبرى. يرمز الحرف إلى مسارين متقابلين: أحدهما صاعد يوضح تقدم الأثرياء والمستثمرين والشركات الكبرى التي تستمر في تحقيق الأرباح والإنفاق الفاخر؛ والآخر هابط يظهر تراجع القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المنخفض، والشركات الصغيرة والمتوسطة، والعمالة غير المستقرة تحت ضغط التكاليف وتقلص الدخل الحقيقي.
التداعيات العالمية والعوامل المؤدية
لم يعد هذا الوصف يقتصر على الاقتصاد الأمريكي؛ بل تحول إلى أداة تحليلية شاملة لقراءة الواقع العالمي في ظل تقلبات السياسة النقدية، وارتفاع أسعار الفائدة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، واضطراب سلاسل الإمداد في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز، بالإضافة إلى صراعات الطاقة وتنافس التقنيات المتقدمة. إن استمرار معدلات الفائدة المرتفعة وارتفاع تكلفة المواد الأساسية والنقل والحروب قد وسّع الهوة بين الاقتصادات المتقدمة وأصحاب الأصول من جهة، والدول النامية والطبقات الهشة من جهة أخرى.
وجهات نظر الخبراء وردود الفعل الإعلامية
يرى خبراء مثل جوزيف ستيغليتز أن هذا النمط غير المتكافئ يرسخ عدم المساواة الهيكلية، حيث تحقق شركات الطاقة والعمالقة التكنولوجية ومؤسسات الدفاع أرباحًا قياسية في قمة السلم، بينما تواجه القطاعات الإنتاجية الصغيرة والأسواق الناشئة التي تعتمد على استيراد الغذاء مخاطر الإفلاس والانكماش. ومن جهته، حذر محمد العريان من أن التقاء الضغوط النقدية بالتعقيدات الجيوسياسية يزيد خطر الانقسام، مشيرًا إلى أن اضطرابات سلاسل الإمداد في الممرات الحيوية تفرض «ضريبة غير مباشرة» تحملها الطبقات الأكثر هشاشة. وقد علقت صحف عالمية على الأمر؛ فقد وصفت «فايننشال تايمز» خيار البنوك المركزية بين التضخم والانكماش بأنه سير في حقل ألغام، وأكدت «وول ستريت جورنال» أن فجوة الثروة ما زالت تتسع مع تحول الأسهم والأصول إلى ملاذ آمن للطبقات العليا من حرف K مقابل ضغوط المعيشة في قاعدته، بينما حذرت «الإيكونوميست» من أن أدوات الفائدة التقليدية لا تستطيع معالجة الخلل البنيوي دون إصلاحات مالية شاملة، وشددت «فوربس» على أن أزمة الاقتصاد على شكل K باتت تحديًا استراتيجيًا يهدد استدامة النمو والأنظمة المالية في مختلف دول العالم.
الوضع الحالي والتحديات المستقبلية
وتؤكد البحوث الاقتصادية الراهنة أن هذا النموذج البنيوي يتكرر بصورة أكثر قسوة؛ إذ يتمتع ذوو الدخل المرتفع بمصدات مالية ومرونة استثمارية تسمح لهم بالاستفادة من ارتفاع عوائد الفائدة على مدخراتهم والنمو السريع لقطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، بينما تواجه الفئات ذات الدخل المنخفض صعوبة متزايدة في مواكبة تكاليف الاقتراض المرتفعة وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، ما يقلل قدرتها الشرائية ويؤدي بها إلى مستويات أدنى من الفقر وزيادة الديون.



