عربي و عالمي

البوابة الذهبية في إسطنبول.. 1600 عام من انتصارات الأباطرة وتحولات الحصون

البوابة الذهبية في إسطنبول.. 1600 عام من انتصارات الأباطرة وتحولات الحصون

مر الأباطرة وجنودهم تحت أقواس البوابة الذهبية ليظهروا انتصاراتهم أمام سكان إسطنبول، ثم ضاقت ممراتها وسُدت بالحجارة، ليتحول دورها من بوابة احتفالية تضفي قوة الإمبراطورية الرومانية الشرقية إلى جزء من قلعة عثمانية، تحكي ممراتها المغلقة قصة 1600 عام من تاريخ المدينة.

تقع البوابة الذهبية، التي تعرف أيضاً باسم “ألطون قابي”، في القسم الجنوبي من الأسوار البرية التاريخية، ضمن منطقة “يدي كوله” في الجانب الأوروبي من إسطنبول، وتحيط بها تحصينات من عصور مختلفة.

هذه الحلقة السابعة من سلسلة تقارير الأناضول “أبواب تفتح على تاريخ المدينة” تتناول حكاية البوابة التي جمعت بين رمزية الانتصار الإمبراطوري ومتطلبات الدفاع، قبل أن تندمج في قلعة يدي كوله، المعروفة بـ “الأبراج السبعة”.

مدخل الأباطرة

ارتبط ظهور البوابة الذهبية بتوسع المدينة في عهد الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس وإنشاء الأسوار البرية. وتعرف باللاتينية باسم “بورتا أوريا”، أي “البوابة الذهبية”، بينما أطلقت عليها المصادر العثمانية اسم “ألطون قابي”. تتميز البوابة بضخامة تصميمها وواجهتها المكسوة بالرخام الأبيض والزخارف المذهبة، مما يعكس هيبة الإمبراطورية. لم تكن التسمية تعني أنها مغطاة بالذهب، بل ارتبطت بالحروف والزخارف المذهبة التي زينت نقوشها، والتي لم تصل بحالتها الأصلية. كانت البوابة تقع على مسار احتفالي يعرف بـ “طريق النصر”، تسلكه مواكب الأباطرة والجيوش عند دخول العاصمة أو مغادرتها، فتحول العودة من الحرب إلى استعراض علني للقوة العسكرية والسلطة السياسية.

أوضح الأكاديمي ومؤرخ الفن التركي ياسين صايغلي للأناضول أن البوابة القائمة اليوم ليست أول بوابة حملت هذا الاسم في تاريخ إسطنبول. وأشار إلى أن الأسوار الأولى، التي أنشئت في عهد الإمبراطور قسطنطين، كانت داخل حدود المدينة اللاحقة، قبل بناء الأسوار المحيطة بمنطقة الفاتح التاريخية بإسطنبول في عهد ثيودوسيوس، واتخاذ البوابة الذهبية موقعها ضمن التحصينات الجديدة. وأضاف أن البوابة ضمت مدخلاً رئيسياً يبلغ عرضه، وفق تقديره، نحو 30 متراً، وإلى جانبيه مدخلين أصغر، عرض كل منهما نحو 9 إلى 10 أمتار، فيما عرف معبر أمامها باسم “كوجك ألطون قابي”، أي بوابة الذهب الصغيرة. شبه صايغلي البوابة بأقواس النصر التي مرت عبرها الفيالق الرومانية في روما، موضحاً أن الجيش كان يعبرها برفقة الإمبراطور عند العودة من الحرب أو التوجه إليها، إلى جانب استخدامها لأغراض دفاعية.

انتصار بطابع ديني

من الوقائع التي تكشف دلالات البوابة، دخول الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن باليولوج المدينة عام 1261، بعد استعادتها من الإمبراطورية اللاتينية التي سيطرت عليها منذ الحملة الصليبية الرابعة. وبحسب صايغلي، لم يدخل الإمبراطور عبر البوابة الذهبية في عربة احتفالية، بل سار على قدميه مصحوباً بأيقونة “مريم هوديغيتريا”، ذات المكانة البارزة في التقليد البيزنطي. رأى صايغلي أن المشهد حمل رسالة رمزية، إذ ظهر الإمبراطور أكثر تواضعاً، وأبرز الطابع الديني للانتصار، بدلاً من الاكتفاء باستعراض القوة العسكرية. وبهذا، كانت البوابة مساحة تتداخل فيها الرموز الدينية والسياسية للتعبير عن شرعية الحكم واستعادة العاصمة، إلى جانب وظيفتها كمسرح للمواكب العسكرية.

تضاؤل الدور الاحتفالي

مع تراجع القوة العسكرية والسياسية للإمبراطورية البيزنطية، تغيرت وظيفة البوابة وانعكس التحول على عمارتها. أوضح صايغلي أن البوابة ذات المداخل الواسعة تقلصت على مراحل، حتى تحولت بحلول أواخر القرن الرابع عشر إلى معبر أصغر، بوظيفة احتفالية محدودة، قبل أن يغلب عليها الاستخدام الدفاعي. وعند فتح العثمانيين إسطنبول عام 1453، كان جزء كبير منها قد أُغلق بالحجارة. ومع تغير احتياجات المدينة العسكرية، تراجعت الحاجة إلى مدخل احتفالي واسع، وأصبحت الممرات الأضيق أكثر ملاءمة للدفاع. قال صايغلي إن التحول يعكس تغير مكانة البوابة، التي أصبحت نقطة دفاعية محدودة بعدما فقدت الإمبراطورية جانباً كبيراً من قوتها.

الأبراج السبعة

بعد الفتح، أضاف السلطان محمد الفاتح 3 أبراج إلى الأبراج البيزنطية الأربعة القائمة في المنطقة، فتشكلت قلعة “يدي كوله”. ومع إنشاء القلعة، أُغلقت البوابة الذهبية بالكامل وفقدت وظيفتها كمدخل للمدينة، لتصبح جزءاً من منظومة التحصينات الجديدة. استُخدمت القلعة في العهد العثماني حصناً وسجناً ومكاناً لحفظ الخزانة في فترات مختلفة. وارتبطت بأحداث سياسية، بينها إعدام الصدر الأعظم جاندارلي خليل باشا في عهد محمد الفاتح، واحتجاز السلطان عثمان الثاني، المعروف باسم “عثمان الشاب”، قبل مقتله عام 1622. أشار صايغلي إلى إمكانية مشاهدة مسجد القلعة، الذي أُنشئ في عهد الفتح، والذي تعمل بلدية الفاتح على ترميمه. تتميز واجهة البوابة الذهبية الخارجية بالرخام الأبيض والأحجار المقطوعة، مما يمنحها مظهراً ضخماً يختلف عن أجزاء أخرى من الأسوار. أوضح صايغلي أن رخام الواجهة جُلب من جزر بحر مرمرة، مشيراً إلى إمكانية مقارنته بالكسوات الرخامية التي ظهرت لاحقاً في المساجد السلطانية العثمانية. جمع تصميم البوابة بين صلابة التحصينات والفخامة المعمارية لتكون مدخلاً إمبراطورياً مهيباً. ورغم إغلاق ممراتها واندماجها في القلعة، بقيت بنيتها شاهدة على زمن كانت فيه أحد أبرز مداخل الإمبراطورية البيزنطية. وهكذا، تختصر البوابة في حجارتها تحولات المدينة؛ من عاصمة تستقبل جيوشها المنتصرة بمواكب الأباطرة، إلى إسطنبول العثمانية التي أعادت توظيف المعبر ضمن قلعة دفاعية، فيما ظل الرخام الأبيض يحمل أثر هيبته القديمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *