الرئيسيةعربي و عالميأرمينيا بين روسيا والغرب: هل تستطيع...
عربي و عالمي

أرمينيا بين روسيا والغرب: هل تستطيع إعادة توجيه مسارها الأمني والسياسي؟

26/05/2026 19:03

تستمر موسكو في اعتبارها لأوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) أكبر تهديد يواجهها، إلا أن هذا التهديد يمتد أيضًا إلى دول «معاهدة الأمن الجماعي» التي تأسست في السابع من أكتوبر 2002، وتضم روسيا الاتحادية، وبيلاروس، وكازاخستان، وطاجيكستان، وقرغيزستان، وأرمينيا، وجميعها كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي السابق.

تصريحات المسؤولين الروسيين حول أرمينيا

أثناء اجتماع عقد في موسكو أمس للجنة هيئات مجالس الأمن التابعة للدول الأعضاء في المنظمة، أشار سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي سيرغي شويغو إلى أرمينيا باعتبارها مثالاً على ما يراه “من المؤسف أن أرمينيا تبحث عن الحماية من المصدر المباشر للتهديد، لكن هذا خيارها ومسؤوليتها”.

في نفس السياق، وجه الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف اتهامًا إلى أرمينيا بمحاولة اتباع نهج أوكرانيا، وانتقد بشدة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، مؤكدًا أن “الشريك الاستراتيجي لروسيا هو شعب أرمينيا، وليس أي زعيم أرميني”.

جفاء العلاقات بين موسكو وأرمينيا وتداعياته

لا يقتصر التوتر بين موسكو وأرمينيا على هذه الفترة فقط، بل يعود إلى الصراع المتجدد بين أرمينيا وأذربيجان في عام 2022، حيث اعتبرت الحكومة الأرمينية أن روسيا وقوات حفظ السلام التابعة لها، إلى جانب منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تقاعست عن التدخل لحماية مصالح أرمينيا وإقليم ناغورنو‑كاراباخ أمام التقدم الأذربيجاني.

بعد انتهاء القتال، وجدت أرمينيا نفسها في مرحلة حساسة من تاريخها السياسي، وسط عملية إعادة تموضع جيوسياسية تجعلها تقبع بين روسيا وأوروبا. هذا التحول دفع رئيس الوزراء نيكول باشينيان إلى تجميد مشاركة أرمينيا في «المظلة الأمنية» الروسية، والشروع في البحث عن بدائل أمنية واقتصادية وسياسية جديدة، لا سيما في أوروبا.

خطوات عملية نحو الاتحاد الأوروبي وتعزيز الروابط مع الغرب

لم تقتصر المبادرات الأرمينية على تصريحات دبلوماسية، بل تجسدت في إجراءات ملموسة؛ فقد اعتمد البرلمان أطرًا قانونية تمهد مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كما سعت أرمينيا إلى توسيع شراكاتها العسكرية مع دول مثل فرنسا.

هذا الانعطاف الجيوسياسي الحاد نحو الغرب، إلى جانب التخلي عن إقليم ناغورنو‑كاراباخ، أدى إلى انقسام داخلي واضح بين معسكرين. أولًا، معسكر السلطة وحزب «العقد المدني» الحاكم، الذي يركز على حماية الحدود المعترف بها دوليًا للجمهورية والابتعاد عن الشعارات القومية التقليدية.

المعسكر الثاني يضم تيارات معارضة، بما فيها القوى القومية، والنازحين من ناغورنو‑كاراباخ، وبعض التيارات السياسية التقليدية الموالية لروسيا، إضافة إلى الكنيسة الأرثوذكسية الأرمنية التي تقود الحركات الاحتجاجية في الشارع.

انقسام داخلي وتباين رؤى المستقبل

يدعم جزء من الشارع التوجه نحو أوروبا، معتبرًا أن مسار العضوية في الاتحاد الأوروبي قد يحديث الاقتصاد ويمنح أرمينيا غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا يحد من خطر شن أذربيجان هجومًا جديدًا. من جهته، يرى رئيس الوزراء نيكول باشينيان وفريقه في حزب «العقد المدني» أن التموضع السابق كان مبنيًا على “وهم أمني”، وأن الاعتماد الحصري على روسيا كان “خطأً”، معتبرين أن «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» فشلت في حماية أرمينيا وأصبحت الآن تشكل “تهديدًا” لسيادة البلاد.

أما المعارضة، فتصف سياسات الحكومة بأنها “تنازل عن أراضٍ تاريخية وتفريط في السيادة الوطنية” دون ضمانات أمنية من الغرب، وتصف قطع العلاقات مع موسكو “انتحارًا جيوسياسيًا”. وتتهم الحكومة بالتحول نحو الاستبداد والقمع، وتلفيق التهم ضد قادة الحراك الديني والسياسي لتكميم الأفواه وتمرير اتفاقيات سلام صعبة مع الجانب الأذربيجاني.

وتؤكد المعارضة أن الإدارة الحالية ارتكبت خطأً كارثيًا بعزل أرمينيا عن حليفها التاريخي الوحيد (روسيا) قبل تأمين بديل حقيقي في الغرب، معتبرة الوعود الأوروبية “سرابًا” لا يحمي البلاد في حال نشوب مواجهة عسكرية جديدة، ومُشيرين إلى أن التنازل عن الأراضي في كاراباخ وترسيم الحدود مع أذربيجان يمثل “استسلامًا” غير مشروط.

تُظهر المخاطر المرتبطة بالتحول نحو الغرب أن موسكو تحتفظ بأدوات ضغط اقتصادية هائلة، تشمل سيطرتها شبه الكاملة على قطاعات الطاقة والغاز والسكك الحديدية داخل أرمينيا، إلى جانب تحذيرات روسية مستمرة من أن المضي قدمًا في هذا المسار قد يفرض أعباءً مالية باهظة قد لا تستطيع أرمينيا تحملها.

من الناحية التاريخية، لم يكن ارتباط أرمينيا بروسيا اختيارًا بل ضرورة فرضتها الجغرافيا والتاريخ؛ فقد شكلت روسيا الضامن الأمني التقليدي لأرمينيا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، وتشارك البلدان في «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، مع وجود قاعدة عسكرية روسية على الأراضي الأرمينية.

وتظل هذه الخلفية حاضرة في أذهان القادة الأرمينيين الذين يؤكدون أن أرمينيا لم تقم بأي فعل يضر بمصالح روسيا، وأنها ستستمر في الالتزام بذلك، مع استمرار اللقاءات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء نيكول باشينيان بين الحين والآخر.

يبقى السؤال معلقًا في المستقبل: هل ستتمكن أرمينيا من الخروج من الفضاء الحيوي والتاريخي الذي يحدده ارتباطها بروسيا، لتشق طريقًا جديدًا نحو أوروبا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *