الصين تدشن أقوى توربين رياح بحري عائم بقدرة 16 ميغاواط وتفتح باب استغلال أعماق المحيطات

إطلاق أقوى توربين رياح بحري عائم في العالم
دشنت الصين أقوى توربين رياح بحري عائم في العالم بقدرة إنتاجية تصل إلى 16 ميغاواط، في خطوة وصفت بأنها بداية عصر «الطاقة العميقة» الذي سيعيد رسم خارطة القوى الطاقية العالمية؛ حيث يرتفع هذا الصرح الهندسي فوق منصة عائمة ضخمة تكسر القيود التقليدية التي كانت تشترط تثبيت التوربينات في قاع البحر، مما يفتح الباب أمام استغلال موارد الرياح في أعماق المحيطات التي لم يكن الوصول إليها ممكناً من قبل.
التحديات التقنية والحلول المبتكرة
هذا الإنجاز، الذي قادته شركتا «غولد ويند» و«الخوانق الثلاثة»، يفتح الباب أمام استغلال مساحات شاسعة من المحيطات التي كانت تعتبر في السابق «مناطق ميتة» تقنياً نظراً لعمق مياهها الذي يتجاوز 60 متراً، وهو الحد الأقصى الاقتصادي للتوربينات الثابتة التقليدية.
تعتمد التكنولوجيا التقليدية لطاقة الرياح البحرية على ركائز فولاذية تُغرس في قاع البحر، وهو أسلوب أثبت كفاءته في المناطق الضحلة. إلا أن التوربين الصيني الجديد بقدرة 16 ميغاواط يكسر هذا القيد؛ فهو يستقر على منصة عائمة ضخمة ترتبط بقاع المحيط عبر كابلات وسلاسل شديدة التحمل. التحدي الحقيقي هنا ليس في حجم التوربين نفسه، بل في الحفاظ على استقراره وسط حركة الأمواج المتلاطمة، والتيارات المتقلبة، والرياح العاتية التي تولد أحمال دفع هائلة على البرج.
يتطلب تشغيل توربين بهذا الحجم (16 ميغاواط) حلولاً هندسية استثنائية لإدارة الأحمال الهيكلية؛ إذ إن أقل ميلان غير محسوب للمنصة قد يؤدي إلى فقدان كفاءة الدوران أو حتى انهيار الهيكل. وقد استعانت الشركات المصنعة بأنظمة تبريد سائلة متقدمة، ومواد مركبة فائقة الخفة والمتانة لشفرات التوربين، بالإضافة إلى «كابلات بحرية ديناميكية» قادرة على نقل الكهرباء إلى اليابسة رغم الحركة المستمرة للمنصة. هذا «النموذج الأولي» ليس مجرد آلة، بل هو معمل عائم لجمع البيانات التشغيلية التي ستحتاجها الأجيال القادمة من مزارع الرياح العائمة، خاصة في ظروف الأعاصير التي تشتهر بها سواحل جنوب الصين.
الآثار الاستراتيجية والجغرافية
لطالما كانت أوروبا، وتحديداً النرويج والبرتغال واسكتلندا، هي الرائدة في تكنولوجيا الرياح العائمة عبر مشاريع تجريبية صغيرة. لكن الدخول الصيني بهذا الحجم (16 ميغاواط مقارنة بالمعايير الحالية التي تتراوح بين 8 و12 ميغاواط) يشير إلى رغبة بكين في تكرار سيناريو هيمنتها على الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية. تتبنى الصين سياسة «التصنيع المكثف»، حيث يتم تقليص الفجوة بين النموذج الأولي والإنتاج التجاري الضخم في فترات زمنية قياسية، مستفيدة من سلاسل التوريد المحلية العملاقة.
هذا التوجه له أبعاد استراتيجية وجيوسياسية؛ فجغرافيا الصين، وبحر الصين الجنوبي تحديداً، تتميز بانحدار سريع نحو المياه العميقة، ما يجعل التكنولوجيا العائمة ضرورة أمنية لتلبية احتياجات الطاقة المتزايدة للمدن الساحلية المكتظة. ومع طموحات بناء «أرخبيل شمسي وفضائي» يربط آلاف الجزر، تضع الصين حجر الأساس لشبكة طاقة ذكية لا تعتمد على اليابسة. ورغم أن الجدوى الاقتصادية للرياح العائمة لا تزال قيد الاختبار نظراً لتكلفتها العالية مقارنة بالثابتة، إلا أن سرعة الابتكار الصينية تشير إلى أن خفض التكاليف سيأتي أسرع مما توقعه الخبراء الدوليون، مما يضع ضغوطاً هائلة على الشركات الغربية لمواكبة هذه القفزة التقنية.



