العريان: الأسواق العالمية على أعتاب أسبوع مفصلي وسط تشابك الأزمات

ضغوط متزامنة تهدد الاستقرار الاقتصادي
يرى المستشار الاقتصادي محمد العريان، في نشرته التحليلية الأسبوعية، أن الأسبوع المنصرم كشف بوضوح عن حجم الضغوط المتلاحقة التي يواجهها الاقتصاد العالمي، حيث تتداخل التوترات الجيوسياسية مع اضطرابات سلاسل الإمداد، والتوسع الكبير في استثمارات الذكاء الاصطناعي، واستمرار توظيف الأدوات الاقتصادية في النزاعات الدولية. ويؤدي هذا التشابك إلى تعقيد قرارات الشركات وصناع السياسات على السواء.
ويشير العريان إلى أن الأسواق لا تزال منقسمة بين من يراهن على تجاوز هذه التحديات بسرعة، ومن يرى أن حالة عدم اليقين ستظل العامل الأكثر تأثيراً في الفترة المقبلة.
الرسوم الجمركية واضطراب سلاسل الإمداد
أسهمت التطورات الأخيرة في النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب الهجمات التي عطلت الملاحة في البحر الأحمر، في تجدد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، بعد أن كانت الأسواق قد بدأت في التكيف مع اضطرابات مضيق هرمز. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين والشحن، مما أعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة في وقت كانت البنوك المركزية تأمل فيه الاقتراب من إنهاء معركة التضخم.
في غضون ذلك، أعلنت الإدارة الأميركية فرض رسوم جمركية جديدة تتراوح بين 10% و12.5% على عدد كبير من الشركاء التجاريين، مع رسوم إضافية على دول مثل البرازيل وكندا. ويرى العريان أن الأسئلة لم تعد تقتصر على تكلفة التجارة فحسب، بل تمتد إلى مستقبل النظام التجاري العالمي والاتفاقيات التجارية، واحتمالات الردود الانتقامية من الدول المتضررة.
الذكاء الاصطناعي بين الفرص والتحديات التضخمية
على صعيد الشركات، تواصل شركات التكنولوجيا الكبرى ضخ استثمارات رأسمالية غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي، كما أظهرت إعلانات شركات مثل ألفابت وتسلا. ورغم أن هذه الاستثمارات قد تعزز الإنتاجية على المدى الطويل، فإنها ترفع حالياً احتياجات التمويل، مما أدى إلى زيادة إصدارات الديون وارتفاع تكاليف الاقتراض، خاصة على آجال الاستحقاق الطويلة.
ويشير العريان إلى أن هذه الطفرة الاستثمارية تمثل عاملاً قد يدعم جانب العرض مستقبلاً، لكنها تخلق أيضاً ضغوطاً تضخمية قصيرة الأجل، مما يزيد من تعقيد مهمة البنوك المركزية في تحديد المستوى المحايد للفائدة. وبحسب التقرير، لم يعد الجدل بين نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة والمغلقة قضية تقنية فحسب، بل تحول إلى ملف استراتيجي يرتبط بالتنافسية الاقتصادية، والسيادة على البيانات، وأمن المعلومات، ومستقبل العلاقة بين الابتكار الخاص والأسواق المالية.
تباين الاقتصادات الكبرى واجتماعات البنوك المركزية
أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة استمرار التباين بين الاقتصادات الكبرى. ففي الولايات المتحدة، ظل سوق العمل قوياً، بينما عكس مؤشر مديري المشتريات اقتصاداً منقسماً؛ إذ واصل قطاع الخدمات الصمود في حين واجه التصنيع ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتباطؤ عمليات التسليم نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد. وفي أوروبا، أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه أشار إلى أن اجتماع سبتمبر سيظل مطروحاً لاتخاذ قرار جديد إذا استمرت الضغوط التضخمية، بالتزامن مع تحسن بيانات توقعات التضخم. أما في بريطانيا، فتراقب الأسواق توجهات السياسة المالية بعد تعيين جون هيلي وزيراً للخزانة، وسط ترقب لمسار بنك إنجلترا في ظل استمرار ضغوط سوق العمل.
وشهد خام برنت ارتفاعاً تجاوز 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع قبل أن ينهي التداولات قرب 97 دولاراً. كما ارتفعت عوائد السندات الحكومية، إذ بلغ العائد على السندات الأميركية لأجل 10 سنوات 4.68%، والألمانية 3.15%، والبريطانية 5.03%. وأدى ارتفاع النفط والعوائد إلى زيادة الضغوط على أسواق الأسهم، وكان مؤشر ناسداك الأكثر تراجعاً بين المؤشرات الأميركية، بينما ارتفع الدولار، ووصل الين الياباني إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود أمام العملة الأميركية.
وسلطت بداية موسم نتائج أعمال الربع الثاني الضوء على استمرار نمو الإيرادات لدى شركات التكنولوجيا، لكن المستثمرين باتوا يركزون بصورة أكبر على مدى قدرة هذه الشركات على تحقيق عوائد من الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، بعدما ارتفعت النفقات الرأسمالية إلى مستويات غير مسبوقة.
ويتوقع العريان أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه يومي 28 و29 يوليو، رغم أن الأسواق باتت تسعر احتمالاً يقارب 40% لرفع الفائدة، مقارنة بنحو 10% فقط بعد صدور بيانات التضخم الأميركية الأخيرة. ويرى أن الفيدرالي سيحاول الموازنة بين خطر التشديد المبكر الذي قد يبطئ الاقتصاد، وخطر ترك الضغوط التضخمية تتجذر، خاصة في ظل تأثيرات الجغرافيا السياسية وارتفاع الإنفاق الرأسمالي، وهي عوامل لا تستطيع أسعار الفائدة وحدها معالجتها.
ولن يقتصر اهتمام الأسواق على الفيدرالي فقط، إذ تعقد هذا الأسبوع أيضاً اجتماعات كل من بنك اليابان وبنك إنجلترا. ومن المتوقع أن تحظى قرارات بنك اليابان بمتابعة واسعة نظراً لتراجع الين إلى أدنى مستوياته منذ عقود، بينما يواجه بنك إنجلترا قراراً معقداً بين الاستمرار في التشديد أو بدء التحول نحو سياسة أقل صرامة مع استمرار تضخم الخدمات.
وتشمل أبرز البيانات المنتظرة هذا الأسبوع القراءة الأولية للناتج المحلي الإجمالي الأميركي للربع الثاني، ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، إضافة إلى ثقة المستهلك، والدخل والإنفاق الشخصيين، ومؤشر تكلفة التوظيف. كما تصدر بيانات مهمة من منطقة اليورو وألمانيا وفرنسا والصين واليابان وأستراليا والبرازيل والمكسيك، مما سيعطي صورة أوضح عن مسار الاقتصاد العالمي.



