غوغل تضخ 75 مليون دولار في استوديو «إيه 24» وتطور أدوات ذكاء اصطناعي للسينما المستقلة

في السينما، غالباً ما يمنح الخطأ البشري المشهد خلوده؛ رعشة لاإرادية في عدسة المصور، أو كلمة مرتجلة من ممثل خارج النص لأن الضوء خان المعنى فجأة. هذه التفاصيل العفوية التي أنجبت أعظم روائع الفن المستقل تواجه اليوم تحدياً جديداً. التكنولوجيا التي تضخ نحو 4.2 مليار دولار في شرايين الفن والترفيه لم تعد تبحث عن كاميرات أحدث، بل تسعى لحوسبة هذا «الخطأ الإنساني» نفسه وإعادة تصميم الخيال البشري داخل غرف الخوارزميات المغلقة.
استثمار استراتيجي في أيقونة السينما المستقلة
من هذا الباب الواسع والحساس، دخل الذكاء الاصطناعي إلى السينما باستثمار مباشر من غوغل في استوديو مستقل يحمل رمزية خاصة لجيل كامل من عشاق السينما. وفقاً لتقرير مالي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» في مارس 2026، تستثمر غوغل نحو 75 مليون دولار في استوديو «إيه 24»، ضمن شراكة بحثية مع مختبرات «غوغل ديب مايند» لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي مخصصة لصناعة الأفلام.
تمثل هذه الصفقة أول حصة ملكية لغوغل في استوديو سينمائي، لكنها أكثر أهمية لأنها تأتي مع «إيه 24» تحديداً؛ الاستوديو الذي بنى سمعته على الأفلام المختلفة والمخاطرة الفنية، وجمهور شاب يراه نقيضاً لهوليوود التقليدية.
أدوات مساعدة لا بديل بشرياً
الفكرة المعلنة ليست أن تكتب الآلة الأفلام بدلاً من البشر، بل تطوير أدوات تساعد في الإنتاج والتوزيع وسير العمل. تتحدث التقارير عن أدوات للتصور البصري للمشاهد قبل تصويرها، وتقنيات قد تساعد المخرجين والمنتجين على اختبار الأفكار وتخطيط اللقطات وتحسين عمليات الإنتاج. وتؤكد «إيه 24» أن الشراكة لا تمنح غوغل حق الوصول إلى مكتبتها من الأفلام والمسلسلات، وأن الهدف ليس تدريب نماذج على أرشيفها، بل بناء أدوات بالتشاور مع فنانين وصنّاع الأفلام.
قلق هوليوودي ومخاوف وجودية
لكن مجرد ذكر الذكاء الاصطناعي إلى جانب السينما يكفي لإشعال القلق، فهوليوود لم تخرج بعد من ذاكرة إضرابات الكتّاب والممثلين. وتعزز هذا القلق أرقام استطلاعية صارمة. كشف تقرير نشره «مرصد النقابة الأميركية للكتاب» في يناير 2026، أن 74% من المخرجين والكتّاب المستقلين يرون في التغلغل التكنولوجي المباشر داخل الاستوديوهات تهديداً وجودياً لخيالهم الإبداعي، بينما يبدي 81% من الممثلين مخاوف حادة من أن تتحول أعمالهم وأصواتهم ووجوههم إلى مادة تدريب رخيصة ومتاحة دون حقوق ملكية فكرية واضحة. لذلك استقبلت الأوساط الفنية هذا الخبر باعتباره اختباراً أخلاقياً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدخل السينما كأداة في يد الفنان، لا كبديل عنه؟
حسابات الكفاءة والضغوط المالية
قيمة الصفقة البالغة 75 مليون دولار توازي تقريباً استثمار مؤسسة «ثرايف كابيتال» في الاستوديو عام 2024، عندما قُدّرت القيمة السوقية للاستوديو بنحو 3.5 مليار دولار. وتأكيداً على جدية التحول، أنشأ الاستوديو فريقاً داخلياً باسم «إيه 24 لابز» يضم نحو 20 خبيراً وتقنياً يعملون حصرياً على الابتكار والتقنيات الجديدة؛ مما يعكس أن الاستوديو يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كباب استراتيجي قد يغيّر طريقة إنتاج الأفلام أو تسويقها.
تتزامن هذه الخطوة مع طفرة مالية ترصدها التقارير الاقتصادية، إذ أفاد تقرير صادر عن مؤسسة «ستاتيستا» لأبحاث السوق في فبراير 2026، أن حجم الإنفاق على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صناعة الترفيه والسينما قفز من 1.8 مليار دولار في عام 2024 ليصل إلى 4.2 مليار دولار بحلول مطلع هذا العام، وسط توقعات بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 28%.
تأتي هذه الصفقة في وقت تواجه فيه السينما المستقلة أزمة تمويل خانقة. فوفقاً لتقرير الكفاءة المالية الصادر عن «منصة بيانات السينما» في يناير 2026، ارتفعت تكاليف إنتاج وتوزيع الأفلام المستقلة بنسبة 42% منذ عام 2024. وأشار التقرير إلى أن استوديو «إيه 24»، رغم تحقيقه إيرادات عالمية قياسية تجاوزت 140 مليون دولار عن فيلمه الشهير «الحرب الأهلية»، بات يواجه هوامش ربح ضئيلة لا تتعدى 8% بسبب الصراع الشرس على شاشات العرض، مما دفعه للجوء إلى طوق النجاة التكنولوجي.
وكشف تقرير تحليل لـ«معهد الترفيه الرقمي» نُشر في مايو 2026، أن دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في مرحلة ما قبل الإنتاج مثل التصور البصري والمحاكاة يقلص ميزانية اللقطات والمؤثرات البصرية بنسبة تتراوح بين 30% إلى 45%. هذا الوفر المالي يمنح الاستوديو ميزة تنافسية هائلة، حيث يتيح له خفض متوسط كلفة إنتاج الفيلم الواحد من 35 مليون دولار إلى أقل من 20 مليون دولار، دون المساس بأجور المبدعين البشر.
مقعد الصياغة وشرعية ثقافية
من جهة الاستوديو، تبدو الحجة عملية: إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل السينما لا محالة، فمن الأفضل أن يكون للفنانين مقعد في صياغة أدواته بدلاً من أن تفرض عليهم من الخارج. هذا ما لخصته الشركة في بيانها. لكن هذا المنطق لا يطمئن الجميع، فالجمهور الذي أحب «إيه 24» لأنه رأى فيها بيتاً للغرابة والاختلاف والخطر الفني، يخشى أن تمنح هذه الشراكة الذكاء الاصطناعي ما يفتقده غالباً: الذوق.
فغوغل لا تحتاج فقط إلى بيانات وحوسبة؛ لديها ذلك أصلاً. ولكن ما تحتاجه هو الشرعية الثقافية؛ تحتاج إلى أن تقول لصناعة السينما إن أدواتها لا تقتل الخيال بل تخدمه. وهنا يصبح الاستوديو اسماً ثميناً لأنه ليس مجرد مكان للإنتاج، بل علامة ثقة عند جمهور شاب حساس تجاه الأصالة ومتشكك في الشركات الكبرى.
أظهرت المؤشرات أن 67% من جيل الألفية والجيل زد يقاطعون أو يتخذون موقفاً سلبياً من المحتوى البصري المصنوع خوارزمياً بالكامل، بينما ترتفع نسبة ثقتهم إلى 89% عندما يرتبط العمل بأسماء مستقلة مثل «إيه 24». ولذلك تبدو الصفقة كأنها تبادل غير معلن: غوغل تمنح المال والتقنية، والاستوديو يمنح الذكاء الاصطناعي شيئاً من بريق السينما المستقلة.
السينما، في جوهرها، ليست مجرد صور متحركة. إنها خطأ إنساني وقرار غير منطقي. ولا يمكن إنكار أن الأدوات الذكية قد تفيد السينما إذا بقيت في مكانها الصحيح؛ فقد تساعد المخرجين الشباب على اختبار مشاهد قبل إنفاق المال، وقد تختصر عمليات تقنية مملة، وقد تفتح أبواباً لمن لا يملكون ميزانيات ضخمة. ولا أتصور أن السينما تخاف من التقنية، فقد ولدت أصلاً من رحم الآلة، لكنها تخاف من لحظة تنسى فيها الآلة أن الفن ليس ما يظهر على الشاشة فقط، بل العقل الذي اختار أن تجعله يظهر هكذا.



