سوق العمل الأمريكي تحت المجهر.. ترقب لتقرير الوظائف الشهري قبل اجتماع الفيدرالي

يدخل سوق العمل في الولايات المتحدة أسبوعاً مفصلياً تترقب فيه الأسواق صدور بيانات الوظائف الشهرية، التي قد تقدم مؤشرات حاسمة حول التوجه القادم للسياسة النقدية، في وقت يعتبر فيه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش أن سوق العمل لا يزال يحافظ على استقراره ولا يشكل، في الوقت الحالي، مصدر القلق الأساسي لصانعي القرار.
توقعات اقتصادية وأهمية البيانات
تشير تقديرات المحللين إلى أن الاقتصاد الأمريكي قد يضيف نحو 55 ألف وظيفة خلال شهر أغسطس، وذلك بعد التراجع المفاجئ في التوظيف الذي سُجل في يوليو. ومن المتوقع أن يبقى معدل البطالة ثابتاً عند 4.1%. وإذا جاءت الأرقام مطابقة لهذه التوقعات، فقد تدعم وجهة نظر وارش بأن تباطؤ نمو الوظائف لا يعكس بالضرورة ضعفاً اقتصادياً واسع النطاق، بل يرتبط جزئياً بعوامل هيكلية وديموغرافية تؤدي إلى تقييد نمو المعروض من العمالة.
تكتسب هذه البيانات أهمية مضاعفة في ظل تحول تركيز الاحتياطي الفيدرالي بشكل متزايد من متابعة سوق العمل نحو التضخم، خصوصاً بعد أن رأى وارش أن مؤشرات التوظيف الحالية تتسق بقوة مع مفهوم العمالة الكاملة.
وكان وارش قد صرح في كلمته أمام ندوة جاكسون هول الاقتصادية، الجمعة، بأن سوق العمل الأمريكي «مستقر إلى حد بعيد»، مشيراً إلى أن معدل البطالة البالغ 4.1% ظل منخفضاً وفق المعايير التاريخية ولم يشهد تغيراً كبيراً خلال العامين الماضيين. كما لفت إلى أن متوسط طلبات إعانة البطالة على مدى أربعة أسابيع يقترب من أدنى مستوياته منذ عقود.
التضخم يتصدر الأولويات
تصريحات وارش توحي بأن الأولوية الحالية لدى الاحتياطي الفيدرالي أصبحت متمثلة في استقرار الأسعار، بعدما خلص إلى أن أداء سوق العمل لا يستدعي في الوقت الراهن تحركاً عاجلاً لدعمه. وأوضح رئيس الفيدرالي أن التضخم لا يزال أعلى بكثير من الهدف المحدد عند 2%، حيث بلغ مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى البنك المركزي، 3.7% على أساس سنوي، بينما بلغ معدل الارتفاع على أساس آخر ستة أشهر 4.1%.
وأكد وارش أن هذه المستويات، إلى جانب استمرار ارتفاع عدد كبير من مكونات سلة الأسعار، تعني أن التركيز الأساسي للسياسة النقدية يجب أن ينصب حالياً على التضخم.
تأتي هذه التصريحات في وقت تزداد فيه رهانات الأسواق على احتمالية رفع أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل للاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر. ووفق قراءة الأسواق التي وردت في تقرير بلومبرغ، فقد تجاوزت احتمالات الرفع مستوى 50% بعد تصريحات وارش، مما يجعل بيانات الوظائف والتضخم المرتبطة بها أكثر أهمية في تحديد مسار التداولات خلال الأيام المقبلة.
تباطؤ التوظيف ليس ركوداً بالضرورة
تشير تحليلات بلومبرغ إيكونوميكس إلى أن تقرير الوظائف قد يكون أضعف من المعدل الطبيعي، لكن تأثيره على توقعات السياسة النقدية قد يكون محدوداً إذا كان الضعف ناتجاً عن عوامل ديموغرافية أو انخفاض معدل دوران العمالة، وليس عن تراجع حاد في الطلب على العمال.
تتماشى هذه الرؤية مع نظرة وارش، الذي أشار إلى أن محدودية نمو المعروض من العمالة تعني أن مكاسب الوظائف الشهرية يمكن أن تبقى منخفضة بشكل طبيعي. كما اعتبر أن انخفاض معدل دوران العمالة يرتبط جزئياً بعملية إعادة التوافق الواسعة النطاق بين أصحاب العمل والموظفين التي شهدها سوق العمل بعد جائحة كورونا.
وقال وارش إن الأشخاص الراغبين في العمل، في معظم الحالات، يحتفظون بوظائفهم أو يجدون وظائف جديدة، مع اعترافه بوجود بعض مواطن الضعف، خصوصاً بين الخريجين الجدد. وبناءً على ذلك، خلص إلى أن سوق العمل، في المجمل، يتوافق مع حالة العمالة الكاملة.
اختبار جديد لرؤية الفيدرالي
من شأن صدور تقرير وظائف قريب من التوقعات أن يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لتركيز سياسته على التضخم، خصوصاً إذا لم يصاحبه ارتفاع ملموس في معدل البطالة أو زيادة حادة في طلبات إعانة البطالة.
في المقابل، فإن ظهور ضعف أكبر بكثير من المتوقع، خاصة إذا تزامن مع ارتفاع البطالة وتراجع نمو الأجور، قد يعيد سوق العمل إلى صدارة اهتمامات البنك المركزي ويعقد الرهانات على رفع الفائدة في سبتمبر.
يأتي ذلك بينما يراقب المستثمرون أيضاً مؤشرات الأسعار في قطاعي التصنيع والخدمات، مع صدور مسحي معهد إدارة التوريدات خلال الأسبوع المقبل. وتتضمن هذه البيانات مؤشرات للأسعار التي تدفعها الشركات مقابل المواد، مما يوفر إشارات إضافية حول اتجاه التضخم.
ويواجه الاحتياطي الفيدرالي معادلة دقيقة تتمثل في الموازنة بين هدفَي تحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار. ويشير تقييم وارش إلى أن الجانب الأول من المعادلة يبدو أكثر استقراراً، بينما لا تزال الضغوط التضخمية أعلى من المستوى المستهدف.
وشدد وارش في خطابه بجاكسون هول على أن هدف التضخم البالغ 2% يمثل هدفاً ثابتاً، مؤكداً أن استقرار الأسعار ليس أمراً يتحقق تلقائياً، وأن مسؤولية تحقيقه تقع على عاتق البنك المركزي. كما أشار إلى أن الاقتصاد الأمريكي أظهر قدرة ملحوظة على الصمود أمام الصدمات، لافتاً إلى قوة الاستثمار في الشركات ونمو أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 20% خلال العام الماضي. وأضاف أن أكثر من نصف نمو الإنفاق الرأسمالي هذا العام قد يكون مرتبطاً بالتوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وبذلك، لا يمثل تقرير الوظائف المرتقب مجرد قراءة شهرية لأداء سوق العمل، بل اختبار مهم لفرضية الفيدرالي بأن الاقتصاد لا يزال قادراً على تحمل سياسة نقدية تركز بشكل كبير على كبح التضخم، حتى مع تباطؤ وتيرة خلق الوظائف.
وتترقب الأسواق في الوقت نفسه بيانات التضخم المقبلة، باعتبارها العامل الأكثر حسماً في تحديد ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيمضي نحو تشديد السياسة النقدية في سبتمبر، أم سيؤجل أي تحرك جديد حتى تتضح اتجاهات الأسعار والنشاط الاقتصادي.



