شباب الإمارات في «منتدى هيلي».. من متابعة النقاش إلى صناعة المستقبل

شكّل التواجد البارز للشباب الإماراتيين من الجنسين في «منتدى هيلي 2026» مؤشراً على انشغال هذا الجيل بالملفات التي تحدد معالم مستقبل المنطقة، وحرصه على الاقتراب من دوائر الفكر وصناعة القرار، واستيعاب المتغيرات التي ستؤثر مباشرة في مسار حياته وفرصه خلال الأعوام القادمة. ولم يكن هذا التواجد مجرد زيادة عددية في أروقة المنتدى، بل حمل دلالات أوسع.
أجندة تتجاوز النقاش الدبلوماسي
يُعقد المنتدى في أبوظبي تحت شعار «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار»، ويطرح ملفات لا تقف عند حدود الحوار الدبلوماسي التقليدي، بل تمتد لتلامس حاضر الشباب ومستقبلهم العملي والمعيشي. وتشمل القضايا المطروحة الأمن الإقليمي والصراعات، والاقتصاد والطاقة والمياه والغذاء، ثم الذكاء الاصطناعي والبيانات والمسيّرات والأمن السيبراني والفضاء. وتنقسم أجندة المنتدى إلى ثلاثة محاور كبرى: الجغرافيا السياسية، والجغرافيا الاقتصادية، والجغرافيا التكنولوجية.
يحمل حضور الشباب في هذه القاعات معنى خاصاً؛ إذ إن الجيل الذي يتابع النقاشات اليوم سيكون الأكثر تأثراً بالتحولات الراهنة، وسيتولى في مرحلة لاحقة مسؤولية التعامل مع آثارها. ومن ثم، فإن موقعه يتجاوز كونه مشاهداً للنتائج. فالمداولات الجارية الآن حول مستقبل النظام الأمني الخليجي، أو اضطراب سلاسل الإمداد، أو توسع الذكاء الاصطناعي، ستتحول غداً إلى واقع يرسم ملامح الوظائف وأنماط التعليم ومصادر الدخل وحدود الخصوصية ومستوى الأمان اليومي.
مفهوم أوسع للأمن
في هذا السياق، يطرح المنتدى سؤالاً موجهاً إلى الشباب: «ما التحدي الأكبر الذي سيواجهه جيلكم في الخليج خلال السنوات العشر المقبلة؟». ويشكل هذا السؤال مدخلاً لفهم نظرتهم إلى معنى الأمن، الذي بات في تصورهم أوسع من مجرد انعدام الحرب وحماية الحدود. فالأمن عند هذا الجيل يشمل الاستقرار الاقتصادي، والأمان الوظيفي، وحماية البيانات، والأمن الغذائي والمائي، والقدرة على مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة.
وتزداد أهمية هذا الطرح مع تخصيص المنتدى جلسات لمناقشة تعقيدات النظام الأمني الخليجي، وكلفة الردع، ومضيق هرمز، ونقاط الاختناق والحصار، إلى جانب جلسات مخصصة للبيانات. وتكشف هذه الموضوعات أن أمن الدولة الحديثة لم يعد محصوراً في البعد العسكري؛ فالهجوم السيبراني، أو تعطل سلسلة الإمداد، أو اختراق أنظمة البيانات، قد يخلف أثراً يماثل خطورة التهديد العسكري المباشر.
ويطرح الحضور الشبابي سؤالاً أعمق يتعلق بنظرة الشباب إلى الذكاء الاصطناعي: هل يعتبرونه فرصة أم تهديداً؟ وترتبط الإجابة بمستقبل التعليم والعمل والخصوصية والسيادة الوطنية أكثر من ارتباطها بالتقنية بحد ذاتها.
حضور لافت للشابات الإماراتيات
أضافت الكثافة الواضحة لحضور الشابات الإماراتيات بعداً جديداً للمشهد، وكشفت عن اتساع مشاركة المرأة الإماراتية في الحوارات المتعلقة بالأمن والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، وهي مجالات لم تعد منفصلة عن طموحاتها الأكاديمية والمهنية.
وفي السياق الإماراتي، يرتبط اهتمام الشباب بهذه الملفات بطبيعة المشروع التنموي للدولة، الذي يضع التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي واستشراف المستقبل في مقدمة أولوياته. لذلك تبدو أسئلتهم عن الدور الإماراتي في المنطقة متصلة بمستقبلهم الشخصي أيضاً؛ فكيف تحافظ الإمارات على استقرارها وانفتاحها الاقتصادي وسط تصاعد الصراعات؟ وكيف تحوّل تعدد شراكاتها الدولية إلى مصدر قوة؟ وما المجالات التي ينبغي الاستثمار فيها لضمان أمن الأجيال المقبلة؟
من الاستماع إلى المشاركة
تبقى القيمة الحقيقية لهذا الحضور مرهونة بانتقال الشباب من موقع الاستماع إلى موقع المشاركة. فمنحهم الفرصة لطرح الأسئلة والتحاور مع الخبراء وصنّاع القرار يمنح المنتدى بُعداً يتجاوز تبادل الأفكار بين المتخصصين، ويجعله مساحة لبناء وعي استراتيجي مبكر لدى الجيل الذي سيُسند إليه مستقبلاً مسؤولية تنفيذ السياسات وتطويرها.
وربما يكون السؤال الأبرز الذي يمكن للشباب أن يخرجوا به من «منتدى هيلي» هو تحويل الصيغة من «ماذا سيحدث للخليج؟» إلى صيغة أكثر إلحاحاً: «ما الدور الذي نستطيع نحن أن نؤديه في صناعة ما سيحدث؟». وعند هذه النقطة يتحول حضورهم من متابعة حديث عن المستقبل إلى مشاركة فعلية في صياغته.



