قرقاش: نجاح الإمارات في التصدي للاعتداءات الإيرانية يعكس جاهزية وطنية شاملة

الجاهزية الوطنية والأداء العسكري
قال معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش إن دولة الإمارات واجهت خلال الأشهر الستة الماضية تحدياً غير مسبوق، مؤكداً أن نجاحها في مواجهة الاعتداءات الإيرانية لم يكن إنجازاً عسكرياً فحسب، بل تعبيراً عن جاهزية وطنية شاملة ساهمت في الحفاظ على المكتسبات وأمن المواطن والمقيم.
أضاف أن الأزمة لم تدفع الإمارات إلى خفض طموحاتها أو تغيير أهدافها التنموية، حيث واصل الاقتصاد الوطني النمو رغم استمرار التحديات الأمنية، مبيناً أن التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات نمت خلال النصف الأول من العام بنسبة 13% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وأن بعض القطاعات تأثرت بصورة طبيعية إلا أن الاقتصاد لم يتعثر بل واصل النمو والتوسع، لا سيما في القطاعات التي يعتمد عليها مستقبل الدولة.
أكد أن هذه التصريحات جاءت خلال الكلمة الخاصة لانطلاق فعاليات النسخة الثالثة من «منتدى هيلي» السنوي، الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، تحت شعار «الخليج عند مفترق طرق: الصراع والتداعيات وتصحيح المسار»، بمشاركة 75 متحدثاً ونحو 1000 مشارك من 35 دولة، بينهم نخبة من كبار المسؤولين.
الاقتصاد والاستقرار في ظل التحديات
ذكر أن إيران أطلقت نحو 3300 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه دولة الإمارات، استهدفت الغالبية العظمى منها البنية التحتية المدنية والمدنيين، مدمرة بذلك سنوات طويلة من جسور العلاقات خلال ساعات معدودة، مشيداً بكفاءة القوات المسلحة الإماراتية وقدرتها على التعامل مع هذه الهجمات.
وصف ذلك بأنه إنجاز عسكري ملحوظ، مقدماً تحية تقدير للقوات المسلحة عالية الكفاءة، وأشار إلى أن الإمارات واجهت التحدي بثقة وعزم، مستمدة قوتها من القيادة واحترافية مؤسسات الدولة ووحدة شعبها.
أكد أن الدولة، رغم الظروف الاستثنائية، واصلت الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين والمقيمين والزوار، وحافظت على وعدها بأن يكون الجميع في أمان، وأن يجد من يختار بناء حياته فيها بيئة مستقرة ومزدهرة.
الرؤية الاستراتيجية والآفاق المستقبلية
قال إن الحرب الأخيرة كانت «حرباً عملنا جاهدين لتجنبها»، محذراً من أن الصراعات الكبرى لا تنتهي بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل تترك وراءها تداعيات سياسية وأمنية واستراتيجية تمتد لسنوات وربما لعقود، مستشهداً بتجربة حرب العراق عام 2003 وما أعقبها من فوضى في بعض الدول التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية، موضحاً أن الحروب الكبرى تنتج «هزات ارتدادية سياسية وأمنية واستراتيجية» قادرة على إعادة تشكيل المنطقة لفترات طويلة.
أوضح أن الأشهر الستة الماضية أعادت تشكيل المشهد الاستراتيجي للمنطقة، وأنتجت بيئة خليجية «أكثر تعقيداً وضبابية» من السابق، معتبراً أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر تحدياً على المستويين الخليجي والإقليمي الأوسع.
أكد أن الاستقلالية الاستراتيجية لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت «حقيقة سياسية عقلانية» مبنية على ما تقدمه عملياً لأمننا ومصالحنا الوطنية، مبيناً أن الاستقلال الاستراتيجي بالنسبة إلى الإمارات يعني القدرة على الحفاظ على النمو الاقتصادي، وضمان سلامة الشعب، والحفاظ على القرار الوطني.
أشار إلى أن العدوان الإيراني على دول الخليج أعاد ترتيب الحسابات الاستراتيجية في المنطقة، وأعاد إلى الواجهة قضايا الأمن البحري والتجارة وأمن الطاقة، التي أصبحت في مقدمة الأولويات.
كشف أن الإمارات بدأت بالفعل في تسريع وتيرة عدد من الإجراءات التي تستند إلى الدروس المبكرة للأزمة، من بينها توسيع طاقة الموانئ على الساحل الشرقي، وتعزيز شبكات خطوط الأنابيب والسكك الحديدية، وتطوير الممرات البديلة للبضائع.
أكد أن صادرات الطاقة والتجارة والأنشطة الاقتصادية الإماراتية لن تكون عرضة للتعطيل، مشيراً إلى أن الدولة تعتمد في ذلك على نهج استباقي يقوم على التخطيط المسبق وسرعة التنفيذ، وأن العديد من هذه الخطط لم يبدأ مع الأزمة، وإنما كان موجوداً بالفعل، إلا أن الأحداث الأخيرة أسهمت في تسريع جداولها الزمنية وزيادة الإلحاح في تنفيذها.
أكد أن التعامل مع إيران يمثل قضية مركزية لجميع دول الخليج، خاصة وأن الجغرافيا تجعل إيران جارة لا يمكن تجاهها، مضيفاً بأن دول المنطقة ستحتاج في مرحلة ما إلى إيجاد طريقة لاستعادة «ما يمكن استعادته» من العلاقة مع إيران، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين إعادة بناء علاقة ضرورية ووظيفية وبين إعادة بناء الثقة التي تعرضت لأضرار كبيرة.
وصف إطلاق إيران آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة على الإمارات ودول أخرى في الخليج والمنطقة، رغم أنها لم تهاجم إيران، بأنه لم يكن مجرد رد فعل متهور أو قراراً اتخذ خلال 24 أو 48 ساعة، بل كان «حرب اختيار مدبرة شُنت ضد جيرانها في انتهاك مباشر للقانون الدولي»، معتبراً ذلك فشلاً ذريعاً للاستراتيجية وفن الحكم، ومبيّناً أنه ألحق أضراراً كبيرة بالجسور التي استغرق بناؤها عقوداً بين إيران وجيرانها الخليجيين.
أوضح أن استعادة العلاقة الوظيفية ممكنة، إلا أن إعادة بناء الثقة ستحتاج إلى وقت طويل، وربما سنوات أو عقود، بعد انهيار افتراض حسن النية الذي دعم جانباً كبيراً من تفاعل دول الخليج مع إيران.
دعا إلى تقييم صريح للاستجابات الإقليمية والدولية للأزمة، معتبراً أن هذه الاستجابات كانت، في مجملها، «غير فعالة ومخيبة للآمال»، سواء في منع الحرب أو حماية تدفق الطاقة والتجارة البحرية أو احتواء الأزمة الإقليمية الأوسع.
ذكر أن التعاون بين دول الخليج كان موجوداً ومهماً، لكنه رأى أن المنطقة لم ترتقِ جماعياً إلى مستوى التحدي الاستراتيجي بالقدر الذي حدث خلال أزمات سابقة، مثل غزو الكويت أو تداعيات الربيع العربي، موضحاً أن المشكلة لم تكن في غياب الفهم لطبيعة التحدي الإيراني، إذ إن دول المنطقة اتفقت لسنوات على تشخيصه، وإنما في عدم ترجمة هذا الفهم المشترك إلى «استجابة موحدة واستراتيجية كافية».
أشار إلى أن الأزمة الخليجية تتزامن مع اضطراب أوسع في النظام الدولي، على المستويات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، معتبراً أن المنطقة تواجه «زوبعة داخل زوبعة»، وأن الحرب أثارت تساؤلات جوهرية حول فاعلية قنوات الحوار وخفض التصعيد، وقدرة الدول على ضبط النفس خلال الأزمات، وكذلك حول سبل تعزيز الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
لفت إلى أن الأزمة كشفت عن «محدودية النظام الدولي نفسه»، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة لم تتمكن من أداء دور فعال في منع التصعيد أو احتواء الصراع أو حماية بعض المبادئ الأساسية التي يفترض أن يقوم عليها النظام الدولي.
أكد أن وضع مضيق هرمز يقع في قلب المواجهة الحالية، حيث يتوجب التعامل معه باعتباره ممراً مائياً دولياً ذا أهمية عالمية، موضحاً أن حرية الملاحة في المضيق لا يمكن أن تخضع للإكراه، وأنه لا ينبغي لأي دولة منفردة أن تتعامل معه باعتباره امتيازاً استراتيجياً يمكن تعطيله.
حذر من أن استمرار تهديد السفن التجارية والناقلات بالألغام أو الطائرات المسيرة أو الصواريخ لا يمكن أن يصبح أمراً مقبولاً، لافتاً إلى أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يفرض تكلفة باهظة على العالم بأسره، نظراً إلى تأثيراته على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة والأمن الغذائي.
ذكر أن نحو ربع النفط المنقول بحراً في العالم يمر عبر المضيق، إلى جانب نسبة مهمة من الأسمدة التي يعتمد عليها المزارعون حول العالم، مضيفاً بأن الأسمدة «هي حصاد العام القادم»، وبالتالي فإن أي تعطيل للممر البحري لا يمثل مجرد مشكلة إقليمية، وإنما يمس طاقة العالم وجزءاً كبيراً من تجارته وأمنه الغذائي.
أكد أن حرية الملاحة «ليست تنازلاً يُمنح ولا مبدأً يُعاد التفاوض بشأنه تحت الضغط»، وإنما هي مبدأ راسخ في القانون الدولي، ويتعين على المجتمع الدولي الاستعداد للدفاع عنه.
رأى أن المرحلة المقبلة تتطلب ترتيبات مستدامة تقوم على القانون الدولي وقواعد واضحة ومشتركة، محدداً أربع أولويات: أن يكون الاستقرار مستداماً عبر خفض التصعيد، وأن يتم التعامل مع هرمز باعتباره ممراً عالميًّا، وأن يُتَّبع نهج اقتصادي يحافظ على استقرار المنطقة عبر ضمانات حقيقية، وأن يكون هناك حوار يتعلق بأهمية سيادة الدول وعدم التدخل في سياستها.
شدّد على ضرورة توفير ضمانات موثوقة تحول دون تكرار الهجمات الإيرانية على دول الخليج، مؤكداً أن قرارات الحرب والسلام يجب ألا تكون في أيدي الميليشيات أو الجهات المسلحة من غير الدول، بل يجب أن تعود إلى مؤسسات الدولة الشرعية.
أضاف أن التعامل مع الملف النووي الإيراني يتطلب مساراً واضحاً، تكون شروطه وآليات التحقق منه وعواقب عدم الامتثال له محددة بوضوح.
أكد أن الأزمة عززت درساً مهماً مفاده أن الاعتماد على القدرات الوطنية يجعل أمن الدولة في مقدمة أولوياتها، بينما لا يمكن دائمًا افتراض أن الآخرين سيضعون أمنها في مقدمة أولوياتهم.
وشدد في الوقت ذاته على أن الاستقلالية الاستراتيجية لا تعني العزلة الاستراتيجية، مؤكداً أن الشراكات طويلة الأجل، ولا سيما الشراكة مع الولايات المتحدة، تظل جزءاً أساسياً من أمن الإمارات ومصدراً مهماً للقوة.
وفي موازاة الردع، شدد على ضرورة الالتزام بالحوار والدبلوماسية، مؤكداً أن الحوار مع إيران يجب أن يتجاوز القضايا الآنية والمعاملاتية ليشمل الملفات الاستراتيجية الكبرى التي تؤثر في أمن الخليج، مثل التدخلات الإقليمية، حرية الملاحة، التعاون الاقتصادي، وإعادة بناء الثقة، مؤكداً أن الحكم على نوايا إيران يجب أن يستند في النهاية إلى أفعالها، وليس إلى أقوالها وإعلاناتها فقط.
أشار إلى أن الخليج لا يزال من أكثر مناطق العالم أهمية وواعدة، مؤكداً أن إرساء مبدأ دائم لعدم العدوان والاحترام المتبادل يمكن أن يفتح المجال أمام فرص اقتصادية كبيرة وبناء مساحة إقليمية أكثر ازدهاراً.
قال إن الجميع لديه مصلحة في الاستقرار الإقليمي، معتبراً أن على إيران أن تدرك أن العدوان على دول الخليج يمثل «سوء تقدير استراتيجي خطير» أضر بعلاقاتها مع جيرانها وعمق عزلتها.
أكد أن طريق الخروج من الأزمة لا يمر عبر تهديد الجيران أو حرق الجسور معهم، وإنما عبر إعادة بناء هذه الجسور، ومواصلة خفض التصعيد، والعمل من أجل تسوية سياسية دائمة.
أكد معاليه الدكتور أنور قرقاش على أن الإمارات تعتزم مواصلة لعب دور بنّاء وواثق في التعامل مع المرحلة المقبلة، وقال إن جاهزية الدولة ساعدها على مواجهة تحديات المرحلة، وإن استقلاليتها الاستراتيجية منحتها القدرة على التعامل معها، فيما ستظل شراكاتها الدولية والتزامها بالحوار والاستقرار والتقدم عناصر أساسية في تحديد مسارها.
وأكد أن الأشهر الستة الماضية شكّلت اختباراً حقيقياً للإمارات، لكنها خرجت منه «أكثر قوة، وأكثر وعياً بالمحيط الإقليمي من حولنا، وأكثر تصميماً على المستقبل الذي ننوي تحقيقه».



