الأسرة والمدرسة والرياضة: طرق بناء ثقافة تقبّل الآخر وتمكين أصحاب الهمم

المشهد اليومي البسيط قد يكون أقوى wpływ من عشرات المحاضرات؛ يكفي أن يرى الطفل والده يتعامل مع أصحاب الهمم بطبيعة، وأن يسمع والدته تتحدث عنهم باحترام، وأن يشارك في مدرسته زميلاً من أصحاب الهمم في اللعبة والمشروع، وأن يشاهد عبر هاتفه قصة نجاح تُظهر ما يملكه الشخص من حلم وقدرة، لا بوصفه حالة تستدعي الشفقة. هكذا تتشكل النظرة الأولى، وهكذا قد تبدأ أول الحواجز.
الأسرة والمدرسة: أساس التقبّل
من هنا يبرز دور غرس قيم تقبّل الآخر والتعامل الإيجابي مع أصحاب الهمم والحالات الخاصة، حيث تقع على الأسرة والمؤسسة التعليمية مسؤولية ترسيخ ثقافة الاحترام والدعم بدلاً من الشفقة أو الإقصاء. هذه القيم تساعد أصحاب الهمم على الاندماج الفعلي في المجتمع وبناء علاقات إنسانية متوازنة، باعتبار التقبّل واجباً ومبدأً لا سلوكاً عابراً.
لا تقتصر مسؤولية الأسرة على إلقاء محاضرات طويلة؛ بل تكمن في تحويل السلوك اليومي إلى رسالة تربوية. طريقة حديث الوالدين، وكيفية تقديم المساعدة، وإجاباتهما على أسئلة الطفل العفوية، كلها تفاصيل صغيرة تبني بمرور الوقت قاموسه الاجتماعي ونظرته إلى الآخرين.
وليس من المفيد منع الطفل من السؤال؛ بل يمكن تحويل سؤاله العفوي إلى فرصة تربوية عندما يحصل على إجابة بسيطة وهادئة تناسب عمره، تشرح له أن البشر يختلفون في أجسادهم وقدراتهم وطرق تواصلهم، لكنهم يتساوون في الكرامة والحق في الاحترام. المطلوب ليس قتل فضول الطفل، بل تهذيبه وتحويله من التحديق في الاختلاف إلى فهم الإنسان.
الرياضة والمجال الرقمي كجسر للدمج
الميدان الرياضي يكسر الصورة المسبقة؛ عبر التدريب والمنافسة والعمل الجماعي يكتشف الفرد إمكاناته، بينما يراه الآخرون من زاوية الأداء والإرادة والمثابرة. تستطيع الأندية أن تلعب دوراً اجتماعياً يتجاوز النشاط الرياضي عندما تفتح مساحات اللقاء والمشاركة بين الأطفال والشباب، مما يسمح بتكوين علاقات طبيعية لا تبدأ من التصنيف ولا تنتهي عنده.
أما الشفقة فقد تصنع حاجزاً خفياً؛ فالدعم الحقيقي يبدأ بسؤال الإنسان عما يحتاج إليه، ومنحه فرصة المحاولة والاستقلال، والوجود إلى جواره عندما يطلب المساندة.
تشير الدكتورة غادة محمد أبو زيد، المتخصصة في التربية الوالدية والحماية الرقمية، إلى أن الأسرة لم تعد الطرف الوحيد الذي يشكّل وعي الطفل؛ فالهاتف والمنصات الرقمية أصبحت نافذة يومية يتعرف من خلالها النشء إلى المجتمع. يمكن للشاشة أن تكون أداة قوية لنشر التقبّل عندما تمنح أصحاب الهمم فرصة التعبير عن أنفسهم وإظهار مواهبهم وتجاربها، لكنها قد تتحول إلى مساحة للسخرية والتنمر وإعادة إنتاج الصور النمطية. لذلك يجب أن تمتد التربية الرقمية إلى مناقشة ما يشاهده الطفل، وتعليمه الفرق بين المزاح والإهانة، وبين الاهتمام والاستغلال، وبين تقديم قصة إنسانية باحترام وتحويل اختلاف صاحبها إلى مادة لجذب المشاهدات.
نماذج ملهمة: ميليا حسن وملهم درويش
ميليا حسن، طفلة من ذوي متلازمة داون وصانعة محتوى، تقدم نموذجاً مختلفاً للحضور؛ فهي تصل إلى الناس من خلال شخصيتها وما تقدمه وصوتها وقدرتها على إنتاج محتوى يمنح الآخرين فرصة للتعرف إليها كما هي. دخلت مجال صناعة المحتوى لتكون ملهمة للأطفال الذين يشبهونها ولكل الأطفال والشباب الذين يواجهون تحديات في الحياة ويحتاجون إلى من يساعدهم على التفكير بطريقة إيجابية للتغلب على أي مشاكل وصعوبات. تدرك ميليا معنى أن يكون الإنسان مختلفاً، لكنها تعرف أيضاً كيف تصنع من هذا الاختلاف ميزة وتضع لنفسها مكاناً في المجتمع والحياة، لتصبح نموذجاً للإلهام ولإيجابية الدمج في التعليم.
تحمل تجربتها رسالة مهمة للأسر: منح الطفل الثقة والمساحة والدعم المناسب يمكن أن ينقله من شخص يتحدث الآخرون عنه إلى شخص يتحدث بنفسه ويقدم نفسه إلى المجتمع بالطريقة التي يريدها. كما تقدم ميليا للأطفال صورة تتجاوز القوالب النمطية؛ طفلة لها حضور وصوت وشخصية وطموح، وهنا تحديداً تبدأ الصورة القديمة في الانكسار. حازت ميليا العديد من التكريمات تقديراً لمسيرتها الملهمة وشجاعتها وتأثيرها الإنساني العميق ودورها في تعزيز ثقافة التقبّل والقوة والإصرار في عالم المحتوى العربي.
ملهم درويش يُظهر أن الإنسان لا ينبغي أن يُعرّف بما يواجهه فقط، وإنما بما يستطيع أن يصنعه رغم ما يواجهه. تمنح مثل هذه النماذج الأطفال والأسر فرصة لرؤية صاحب الهمة خارج صورة الشخص الذي ينتظر من الآخرين أن يمنحوه مساحة، إلى إنسان قادر على صناعة حضوره والتعبير عن ذاته والتأثير في محيطه.
عند ظهور ملهم درويش أو ميليا حسن أمام الناس، يتحول السؤال من “ما الذي ينقص الإنسان؟” إلى “ما الذي يستطيع أن يقدمه؟”؛ عندها يتحول تقبّل الآخر من شعار تربوي إلى ممارسة يومية، تبدأ من أب وأم ينتبهان إلى كلماتهما، ومعلم يصنع مساحة للجميع، ونادٍ يفتح أبوابه للمشاركة، وشاشة تقدم الإنسان بكرامة، ومجتمع يتوقف عن سؤال أصحاب الهمم إن كانوا قادرين على الاندماج ويبدأ بسؤال نفسه: هل أزلنا فعلاً ما يمنعهم من المشاركة؟ لأن أصعب الحواجز قد لا يكون في الجسد أو القدرة، بل في نظرة تسبق الإنسان قبل أن تمنحه فرصة أن يعرّف بنفسه.



