الأمن السيبراني في السعودية: من الحماية إلى صناعة الثروة

الهجمات السيبرانية لم تعد مجرد خطر تقني يستهدف الحواسيب والشبكات، بل تحولت إلى مخاطر اقتصادية قد تؤدي إلى توقف المصانع، وتعليق الخدمات المالية، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع ثقة المستثمرين، وتعطيل استمرارية الأعمال.
وبالمقابل، لم يعد الإنفاق على الأمن السيبراني مجرد تكلفة لحماية الأنظمة والمعلومات، بل أصبح نشاطًا اقتصاديًا متناميًا يفتح مجالات للاستثمار والابتكار وتوفير فرص العمل.
من التهديد الاقتصادي إلى فرصة استثمارية
في المملكة العربية السعودية، تجاوز الأمن السيبراني نطاق حماية البنية الرقمية ليصبح قطاعًا استراتيجيًا يجمع بين تعزيز الأمن الوطني ودعم نمو الاقتصاد الرقمي، ما يخلق آفاقًا جديدة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز التنافسية، وذلك تماشيًا مع أهداف رؤية السعودية 2030.
ويطرح تقرير الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الصادر في 14 أكتوبر 2026 سؤالًا اقتصاديًا يتجاوز مجرد نمو السوق: كيف يتحول الإنفاق على الحماية الرقمية إلى صناعة وطنية تطور المنتجات، وتمتلك التقنية، وتستطيع المنافسة عالميًا؟
المكانة العالمية وسوق متنامٍ
لم تأتي هذه التحولات بمعزل عن المكانة الدولية التي حققتها السعودية في هذا المجال؛ فقد حافظت على المرتبة الأولى عالميًا للعام الثالث على التوالي في مؤشر الأمن السيبراني ضمن تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية لعام 2026، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) في سويسرا.
كما صنّفها الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) ضمن الفئة الأعلى عالميًا، ووصفها بأنها نموذج رائد في المؤشر العالمي للأمن السيبراني، ما يؤكد ما تحقق من تقدم في بناء منظومة وطنية متكاملة للحماية والحوكمة وتعزيز القدرات.
ويعكس هذا التميز الدولي الدعم والاهتمام اللذين يحظى بهما القطاع من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وقد ترتب على ذلك إنشاء أطر مؤسسية وتشريعية وتقنية جعلت الأمن السيبراني أحد المرتكزات الأساسية للأمن الوطني والاقتصاد الرقمي.
ويكشف تقرير الهيئة عن بلوغ حجم سوق الأمن السيبراني نحو 16.3 مليار ريال خلال عام 2025، وبمعدل نمو سنوي مركب بلغ 10.7% خلال الفترة من 2023 إلى 2025، وفق البيان الرسمي.
واستحوذ القطاع الخاص على 69% من السوق، بإنفاق بلغ نحو 11.2 مليار ريال، مقابل 5.1 مليارات ريال للقطاع الحكومي، أي بنسبة 31%.
ويظهر ذلك اتساع الطلب لدى القطاع الخاص؛ إذ يمثل الأمن السيبراني ضرورة تشغيلية واستثمارية للمصارف، والمنشآت الصناعية، وشركات الاتصالات، والتجارة الإلكترونية، ومختلف الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
وبلغت مساهمة القطاع المباشرة وغير المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي نحو 20 مليار ريال خلال عام 2025، منها 9.7 مليارات ريال مساهمة مباشرة، و10.3 مليارات ريال مساهمة غير مباشرة، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 13.2%.
وبذلك بلغت مساهمة القطاع نحو 0.42% من إجمالي الناتج المحلي، و0.71% من الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية.
ويختلف حجم السوق، الذي يعكس الإنفاق على المنتجات والخدمات السيبرانية، عن المساهمة في الناتج المحلي التي تقيس القيمة المضافة وفق منهجية مختلفة؛ لذلك لا يجوز جمع الرقمين أو اعتبارهما إيرادات متطابقة.
من الشراء إلى الإنتاج وتطوير الكفاءات
وأعلنت وزارة التجارة في سبتمبر 2026 بلوغ عدد السجلات التجارية لنشاط الأمن السيبراني 11,275 سجلًا، بنمو بلغ 22%.
ويؤكد ذلك أن السجل التجاري لا يعني بالضرورة وجود شركة منتجة للتقنية، ولا يكفي وحده لقياس حجم الإيرادات أو الابتكار أو الصادرات أو حقوق الملكية الفكرية.
ويكمن التحدي في تحويل هذا الاتساع التجاري إلى منشآت فاعلة تطور حلولًا ذات قيمة مضافة، وتستطيع الاستمرار في السوق والتوسع خارج الحدود.
وبحسب التقرير، استحوذت المنتجات على 51% من الإنفاق في سوق الأمن السيبراني، مقابل 49% للخدمات.
وهذا التوزيع يثير سؤالًا عن حصة المنتجات المطورة محليًا وملكية الشركات السعودية لتقنياتها.
فالفرق كبير بين منشأة تبيع تراخيص تقنية مستوردة، وشركة وطنية تطور منتجًا سيبرانيًا، وتمتلك تقنيته، وتستطيع تحديثه وتسويقه داخل السعودية وخارجها.
وتظل الشراكات الدولية مهمة لنقل المعرفة وبناء القدرات، وتزداد قيمتها الاقتصادية عندما تمكّن من تطوير منتجات وطنية وحقوق ملكية فكرية وفرص تصديرية.
ويبرز في هذا السياق الدور الذي يمكن أن تؤديه الشركات الوطنية، وفي مقدمتها الشركة السعودية لتقنية المعلومات «سايت»، إلى جانب المنشآت الناشئة، في دعم منظومة الصناعة السيبرانية وتعزيز المحتوى المحلي.
ومع التوسع في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والمدن الذكية والخدمات المالية الرقمية، تتزايد الحاجة إلى منظومات أمنية متقدمة لحماية البيانات والشبكات والتطبيقات والبنى التحتية الحساسة.
ويفرض الذكاء الاصطناعي تحديات إضافية تتعلق بحماية النماذج والبيانات المستخدمة في تدريبها وتشغيلها، ومنع التلاعب بالمخرجات أو الوصول غير المصرح به إلى المعلومات.
وتسهم موثوقية البنية الرقمية في بناء الثقة اللازمة لجذب هذه الاستثمارات واستدامتها؛ إذ يقيّم المستثمر قدرة البيئة الرقمية على حماية عملياته ومعلوماته، إلى جانب تكاليف التشغيل وجودة البنية التحتية.
لكن نمو هذه الأنشطة لا يضمن تلقائيًا ارتفاع إيرادات الشركات السيبرانية الوطنية؛ بل يتوقف نصيبها من الطلب على جاهزيتها التقنية وقدرتها على تقديم حلول تنافسية تلبي متطلبات العملاء.
وتجاوز عدد المتخصصين في الأمن السيبراني بالسعودية 22 ألفًا خلال عام 2025، بحسب التقرير.
وبلغت مشاركة المرأة 33% من إجمالي المختصين العاملين في القطاع، مقارنة بمعدل عالمي يقارب 22%، وفق الهيئة.
ويحتاج تطوير الصناعة إلى توسيع التأهيل من تشغيل الأنظمة وإدارة المخاطر إلى هندسة المنتجات السيبرانية، وأمن الذكاء الاصطناعي، والتشفير، والبحث والتطوير.
ومن هنا تبرز أهمية تعميق الشراكة بين الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات التقنية، بحيث تتحول المعرفة العلمية والمشروعات البحثية إلى منتجات قابلة للتسويق، وشركات ناشئة قادرة على النمو.
ويحتاج المشروعات السيبرانية إلى تمويل يساعدها على الانتقال من النماذج الأولية إلى المنتجات التجارية، ثم التوسع في الأسواق.
ومن المبادرات الداعمة لهذا المسار «مسرعة الأمن السيبراني» التابعة للهيئة الوطنية للأمن السيبراني.
فقد أظهرت النتائج المعلنة للنسختين الأولى والثانية من المسرعة استثمارات تجاوزت 27 مليون ريال في الشركات الناشئة، وأكثر من 90 شراكة محلية ودولية، إلى جانب توسع إقليمي وعالمي في 12 دولة.
وتعكس هذه النتائج مؤشرًا مشجعًا، لكن استدامة أثرها تتوقف على نمو الشركات بعد انتهاء برامج التسريع، وقدرتها على تحقيق إيرادات والوصول إلى عملاء جدد.
وبالتالي، فإن دور رأس المال الجريء يجب أن يمتد من تمويل التأسيس إلى دعم مراحل النمو، خصوصًا أن صناعة المنتجات السيبرانية تتطلب استثمارات متواصلة في البحث والتطوير والاختبار والامتثال والتحديث.
من السوق المحلية إلى صناعة تنافس عالميًا
ولتعزيز قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة عالميًا، تشمل الأولويات رفع حصة المنتجات الوطنية، وتوسيع الاستثمار في البحث والتطوير، وتشجيع امتلاك حقوق الملكية الفكرية، وربط المشتريات المؤسسية بالحلول المحلية المؤهلة القادرة على المنافسة، وفتح مسارات عملية إلى الأسواق الدولية.
كما تبرز الحاجة إلى مؤشرات اقتصادية أكثر تفصيلًا تقيس حجم الإيرادات الناتجة عن المنتجات المطورة محليًا، وقيمة الصادرات السيبرانية، وعدد الشركات المالكة لتقنياتها، وحجم الاستثمار في البحث والتطوير، وحصة المنتجات الوطنية من إجمالي الإنفاق.
ومن المهم كذلك التمييز بين توطين تقديم الخدمات وتوطين التقنية نفسها؛ فالأول يوفر وظائف وفرصًا اقتصادية مهمة، بينما يضيف الثاني القدرة على الابتكار والإنتاج والتصدير وامتلاك المعرفة.
الأمن الذي يحمي الاقتصاد يمكن أن يصنع الثروة.
تملك السعودية سوقًا متنامية ومنظومة متقدمة للجاهزية السيبرانية.
والفرصة المقبلة هي تحويل هذه المقومات إلى شركات منتجة ذات حضور عالمي، بما يضيف إلى دور القطاع الأمني قدرة صناعية واستثمارية مستدامة.
وإذا كان الأمن السيبراني يحمي ثروات الاقتصاد الرقمي اليوم، فإن الاستثمار في صناعته قد يجعله أحد مصادر تلك الثروات غدًا.
الكاتب : Mustafa Mohammed القرشي




