المال قبل النضج يضعف طموح اللاعبين في كرة القدم السعودية

في عالم الاقتصاد، يُعَدّ السعر العادل هو الذي يعكس القيمة الحقيقية للسلعة من حيث الإنتاجية والندرة. أما في الساحة الكروية بالمملكة، فإن قيمة اللاعبين المحليين لا تتطابق مع ما يدفع له، إذ تُعطيهم الأندية مبالغ تفوق ما تستحقه مهاراتهم أو قدرتهم على التحمل تحت ضغط المباريات.
تفاوت الأجور عن القيمة السوقية
تظهر الفجوة بين الرواتب الفعلية والقيمة الحقيقية لللاعبين عندما تُقارن الأرقام، فغالباً ما لا تتجاوز القيمة السوقية الحقيقية للرياضيين المحليين 10 % من ما يتقاضونه في عقودهم الضخمة. هذا الفارق يُعزى إلى ضغوط الأندية وتطلعات الجماهير والإعلام، إلى جانب قلة البدائل المتاحة داخل السوق المحلي.
تشبه الفقاعة ما حدث في الدوري الصيني
يمكن ملاحظة تشابه مع الأزمة التي مرت بها الكُرة الصينية، حيث أدّى الإنفاق المفرط إلى استنزاف الموارد دون تحقيق تحسين ملحوظ في أداء المنتخب الوطني. نتيجةً لذلك، ينتج لاعب بعقد طويل وثقيل لكنه لا يُظهر إنتاجية فنية تُ{تُبرر} ذلك.
تأثير الضمان المالي:
تشير الأبحاث النفسية إلى أن الدوافع الداخلية، مثل الرغبة في الإتقان والشعور بالانتماء، تتلاشى عندما يغلب الدافع الخارجي المتمثل في الرواتب الضخمة. وفقاً لنظرية تقرير المصير التي وضعها ديسي وريان، فإن الحاجة إلى الاستقلالية والكفاءة والاندماج تُصيب بالإنخفاض إذا ما سيطرت المكافآت المالية غير المشروطة على سلوك اللاعب.
ظاهرة “سنة العقد”
تُظهر التحليلات أن اللاعبين يقدمون أفضل ما لديهم في السنة الأخيرة من عقدهم، مدفوعين بضغط الحصول على تجديد أو انتقال جديد. أما بعد توقيع العقد الجديد، فإن الأداء يتراجع نظراً لتقلص الحاجة المالية، ما يفسر الانخفاض الملحوظ في مستويات كثير من اللاعبين المحليين.
المال بحد ذاته ليس سلبياً، لكن عندما يصبح غير مشروط ويتفرد على أي معايير أداء واضحة، فإنه يضعف الحافز الذاتي ويؤدي إلى تراجع الالتزام بالتمارين والحمية والراحة اللازمة للتطوير المستمر.
من الناحية الفنية لا يمكن توقع أن يصبح اللاعب نجمًا عالميًا وهو محاط ببيئة لا تُعاقب التراجع. ففي الدوريات الكبرى، لا يضمن العقد الطويل الحفاظ على مكانة اللاعب؛ بل يظل عرضة للانتقادات والبيع أو الاستغناء عنه إذا ما ظهر لاعب أصغر وأكثر كفاءة. أما في السعودية، فغالباً ما يتحول العقد الطويل إلى حصانة تجعل النادي غير قادر على التصرف في اللاعب إلا بصعوبة، ما يعرقل عملية التجديد أو البيع.
ضرورة إصلاح المنظومة العقودية
الحل لا يكمن في انتقاص قيمة اللاعب، بل في تعديل آلية السوق لتصبح أكثر عقلانية. يُقترح وضع حدود مالية لعقود اللاعبين المحليين وربط جزء كبير من الرواتب بمعايير محددة مثل نسبة الدهون، كتلة العضلات، عدد الدقائق التي يلعبها اللاعب، والالتزام بالتمارين الفردية. يجب أن تكون الرواتب الثابتة معقولة، في حين تُصرف المكافآت الكبرى لمن يثبت جدارته بالفوز وتحقيق الفارق.
عقود اللاعبين ينبغي أن تتضمن بنود مراجعة سنوية تسمح للنادي بإنهاء العقد دون جزاءات إذا ما خالف اللاعب معايير الأداء أو الانضباط. كما يجب تقليل عدد اللاعبين الأجانب لتوفير فرص أكبر للمواهب الشابة، وتوسيع برامج الابتعاث الكروي لضمان تنافسية أعلى.
إن الفشل في تعديل هذه الآليات سيظهر جلياً في أداء المنتخب الوطني، إذ سيستمر في دفع ثمن سوق يبالغ في تقييم لاعبيه دون أن يضمن ذلك جودة الأداء على المستوى الدولي. وضع سقف للرواتب والانتقالات ليس تقييداً لللاعب السعودي، بل هو خطوة لحمايته من الوهم وضمان استثمار أموال الصندوق الوطني في بناء كُرة قدم تنافسية.
ختاماً، إذا ساد المال قبل النضج، فإن ذلك سيقضي على شغف الرياضيين وتطلعاتهم. وعلى السعودية أن تتبنى إصلاحاً جذرياً في هيكلية العقود والرواتب لتعيد للكرة المحلية مسارها الصحيح، حيث يصبح العقد نتيجة للإنجاز، وليس مقدمةً لضمان مالي لا يرتبط بالأداء.



