الرئيسيةالرياضةكرة القدم تتجاوز المستطيل الأخضر: سيارات...
الرياضة

كرة القدم تتجاوز المستطيل الأخضر: سيارات فارهة للأمهات وفلل نصف مليونية في عقود اللاعبين

22/08/2026 19:00

لم تعد المفاوضات في كرة القدم الحديثة تقتصر على الأرقام التقليدية كالرواتب السنوية ومكافآت البطولات، إذ تحولت طاولة التعاقدات إلى ساحة مفتوحة يفرض فيها اللاعبون والمدربون شروطاً شخصية ومطالب فريدة قبل وضع توقيعاتهم على العقود الرسمية. من طلبات ترميم المنازل الشخصية على نفقة النادي، وسيارات فارهة تُشترى خصيصاً كشروط مسبقة لإرضاء أمهات النجوم، وصولاً إلى استنفار الأندية القانوني والمالي لحل قضايا قضائية شائكة تخص عائلات اللاعبين، لم تعد العقود مجرد وثائق تجارية جافة.

بين أروقة الملاعب المحلية والعربية والعالمية، يواجه وكلاء اللاعبين وإدارات الأندية كواليس مثيرة تمتزج فيها المصالح المالية المعقدة بالروابط الاجتماعية والتأثيرات النفسية، حيث يجد النادي نفسه مضطراً للعب دور الراعي الأسري والملاذ القانوني لتأمين الاستقرار النفسي والذهني لنجمه الجديد، وحمايته من الضغوط المجتمعية التي قد تؤثر على أدائه في المستطيل الأخضر.

شروط تتجاوز حدود المنطق

يصف وليد الشامسي، أقدم وكيل لاعبين مسجل منذ 2013، بعض طلبات اللاعبين بأنها تتجاوز حدود المنطق لتصل إلى مرحلة السخف، كاشفاً عن تحولات تاريخية وقانونية غيرت شكل اللعبة. يتذكر إحدى الحالات التي مرت عليه كوكيل ويعتبرها غريبة، موضحاً أن لاعباً في مركز حراسة المرمى اشترط أن يتكفل النادي بإعادة صيانة وترميم بيته بالكامل. ويقول في تفسيره: إن اللاعب عندما يجلس على طاولة المفاوضات أمام مسؤول كبير أو شخصية مرموقة ذات منصب رفيع في النادي، فهو يدرك تماماً أنه لا يتفاوض مع رئيس نادٍ عادي، بل مع صاحب نفوذ وقدرة، ومن هنا تبدأ المطالب الشفوية والشخصية التي تتجاوز المستطيل الأخضر؛ مثل طلب توظيف شقيقه في جهة ما، أو إهداء والدته سيارة فاخرة، أو حتى توفير شقة إضافية.

ويضيف الشامسي: أحياناً يتدخل البعد الاجتماعي والإنساني في هذه البنود، فمثلاً أحد اللاعبين طلب تدخل النادي لمساعدة والده في تخليص قضية قانونية، مستشهداً بعلاقات النادي وما لديه من محامين لمساعدته في إنهاء ملف القضية كشرط لصفاء ذهنه والتوقيع.

تذاكر درجة أولى وراتب شهري للوالدة

أكد الشامسي أن النجوم الأجانب يملكون نصيب الأسد من الشروط المرفهة، مشيراً إلى أن الأندية تؤمن تلقائياً تذاكر طيران على درجة رجال الأعمال للاعبين القادمين من أمريكا الجنوبية أو أوروبا الشرقية، بتكلفة تصل غالباً للرحلة الواحدة بين البرازيل والإمارات إلى 30 و40 ألف درهم. ورغم أن راتب اللاعب من هؤلاء يتجاوز 100 وأحياناً 300 ألف دولار شهرياً، إلا أن أحد اللاعبين الأجانب اشترط وضع بند تحويل تذكرته من درجة رجال الأعمال إلى الدرجة الأولى، ممارساً هذا الدلال المالي على النادي في تفاصيل صغيرة.

يكشف الشامسي عن حيلة يتبعها اللاعبون والمدربون الأجانب للهروب من مقصلة الضرائب في بلدانهم، إذ يتعمدون إخفاء رواتبهم الحقيقية العالية، فيشترطون عدم إدراج مبالغهم الضخمة وامتيازاتهم العينية في العقود الأصلية التوتوثق رسمياً، وذلك حتى لا يضطروا للتصريح بدخلهم الحقيقي أمام سلطات الضرائب في بلدانهم الأصلية عند عودتهم.

قال وليد الشامسي: رأيت بطبيعتي عملي السابقة مع اللاعبين المواطنين طلبات تفوق حدود العقود الرسمية، فمثلاً هناك لاعبطالب براتب شهري ثابت لوالدته، وآخر اشترط ترقية وظيفية لوالده وآخر طلب من النادي نقل بيته من مدينة إلى أخرى. ولم يتوقف الأمر عند العطايا المادية، بل امتدت الحماية لتشمل تسخير محامي النادي فوراً لحل أي إشكالية أو ورطة قانونية يقع فيها اللاعب خارج الميدان.

فيراري فارهة وفلل نصف مليونية

يرى الشامسي أن الملاياين الفلكية لم تغير من عقلية بعض اللاعبين في الجري وراء الفواتير الصغيرة، مستشهداً بمواقف ومفارقات عجيبة: إذ يطالب اللاعبون الأجانب بحجوزات ترفهية إضافية مكلفة خارج رواتبهم الضخمة، كإقامة لأيام عدة مع زوجاتهم في فنادق سبعة نجوم. وفي المقابل، لن أنسى موقفاً عشته بنفسي في أحد أندية أبوظبي، عندما وصل لاعبيتقاضى الملاياين في سيارة أجرة (تاكسي) قادماً من دبي، وصعد خصيصاً لمكتب المحاسب لي طالبه بقيمة الفاتورة! إنها مفارقات تعكس كيف أن لغة المال طغت على الاحتراف الحقيقي.

أكد وكيل اللاعبين التونسي عمر الصادقي أن لغة المال والشروط التعجييزية طغت على عقلية بعض النجوم الأجانب، كاشفاً عن تفاصيل قصة عاشها بنفسه مع أحد اللاعبين الأجانب، قائلاً: خلال المفاوضات لضمه، تفاجأنا باللاعب يشترط بكل إصرار وضع بند في العقد يلزم النادي بأن يشتري له سيارة فيراري فارهة من أحدث طراز، رافضاً أي بديل آخر. والمفارقة أنه بعد البحث والتدقيق في خلفية اللاعب وحياته اليومية في بلده الأصلي، اكتشفنا أنه يقود سيارة هوندا، وهي مفارقات عجيبة تكشف كيف يتحول الطموح فجأة من مجرد البحث عن فرصة للعب، إلى ممارسة شروط بداعي الدلال المالي.

ويروي الصادقي فصلاً آخر من فصول الدلال المالي للاعبين الأجانب في ملاعبنا، وقال إنه وفي إحدى الصفقبات، صدمنا بطلب غريب وخارج عن المألوف إذ اشترط اللاعب الحصول على نصف قيمة عقده الإجمالي بالكامل كمقدم تعاقد يصرف له فوراً، وهو أمر ينطوي على مخاطرة مالية هائلة للأندية في حال لم يوفق اللاعب أو تعرض لإصابة مبكرة. والأدهى أن الوكيل الأجانب للاعب اشترط الحصول على عمولة تتجاوز 15% من القيمة الإجمالية للعقد، مصراً على استلامها نقداً وقبل توقيع اللاعب رسمياً على كشوفات النادي، في مشهد يوضح كيف تحول الاحتراف إلى ساحة للمساومات المالية الصارمة.

يكشف الصادقي الفارق الشاسع بين ثقافة الاحتراف في أوروبا وسقف الطموحات المادية المفاجئة للاعبين الأجانب فور وصولهم إلى دورينا، ويقول: في أوروبا، يعلم اللاعب أن بند السكن يقع تحت مسؤوليته الشخصية ومدمج تلقائياً ضمن راتبه، وهناك تجد 99% من اللاعبين يعيشون في شقق صغيرة ومتواضعة تناسب احتياجاتهم دون مبالغة، لكن المشهد ينقلب تماماً بمجرد أن يصلوا للعب في دورينا، حيث تتبدل العقلية ويصبح تأمين الفلل الفاخرة والسيارات الفارهة شرطاً أساسياً لارتداء قميص النادي، مستشهداً بأن أحد اللاعبين الأجانب لم يكتفِ بطلب مسكن مريح، بل اشترط صراحة توفير فيلا محددة في مجمع سكني راقٍ، صُدمنا لاحقاً بأن قيمتها الإيجارية السنوية وحدها تتجاوز 500 ألف درهم! وهو دلال مالي يوضح كيف تستنزف هذه التفاصيل ميزانيات الأندية بعيداً عن المستطيل الأخضر.

سفر الأقارب وسيارة الأم وسائق للزوجة

يكشف وليد الشامسي عن شروط تنم عن الدلال والتي يفرضها النجوم الأجانب ويقول: المتعارف عليه عالمياً في عقود اللاعبين هو تأمين تذاكر سفر سنوية للاعب وزوجته وأبنائه فقط، لكن أحد اللاعبين اشترط وضع بند يُلزم النادي بتوفير تذاكر سفر على درجة رجال الأعمال لعائلته الموسعة بالكامل، محدداً بالاسم والدته، وأختته، وأخاه، وتكلفة هذه الرحلات وحدها تشكل عبئاً مالياً ضخماً خارج راتب اللاعب الفلكي، ولا يمكن أن تتحول إدارة النادي إلى ما يشبه وكالة سفر مخصصة لخدمة أقارب اللاعب وتأمين تنقلاتهم المرفهة، في مفارقة لا علاقة لها بالعطاء داخل الملعب.

يؤكد عمر الصادقي أن المطالب لم تقتصر على الفلل الفارهة والسيارات الفاخرة، بل امتدت إلى تفاصيل المعيشة اليومية، حيث صادفتُ أكثر من لاعب أجنبي اشترطوا إلزام النادي بإصدار تأشيرات إقامة رسمية، وتحمل تكاليف تذاكر السفر لطباخيهم على نفقة النادي كاملة، بحجة عدم قدرة اللاعب على تناول سوى وجبات محددة ومعدة بأيدي طهاة من بلاده، ومثل هذه الشروط تحول النادي من جهة رياضية إلى كفيل وممول للأطقم الخدمية الخاصة باللاعب وعائلته.

يكشف نادر المرزوقي، الوكيل السابق للنجم الإماراتي عمر عبد الرحمن (عموري) عن صدمته من سقف المطالب الشخصية الغريبة لبعض اللاعبين، والتي تتحول أحياناً إلى ما يشبه طلب المنح والهبات، ويقول: صدمت تماماً عندما تفاجأت ببند وضعه أحد اللاعبين يشترط فيه إلزام النادي بتوفير سيارة خاصة لوالدته.

ويضيف المرزوقي: أنا كوكيل لاعبين استحيت أن أتوجه لإدارة النادي وأطلب منهم هذا الطلب الشخصي، وكيف لي أساساً أن أفتح معهم موضوعاً كهذا؟! وكنت دائماً أقول للاعبين: اطلب مبلغاً إضافياً ضمن عقدك، نصف مليون أو 100 ألف، وتصرف أنت به كما تشاء واشتري ما تريد لك أو لأهلك. ويؤكد المرزوقي أن النادي وافق ووفر له السيارة وسجلها باسم اللاعب، ليتصرف بها ويسجلها لمن يريد لاحقاً.

تروي وكيلة اللاعبين السابقة نسرين درويش عن مفارقة غريبة تعكس حجم المطالب العائلية التي يفرضها بعض اللاعبين والمدربين الأجانب على الأندية خارج حدود مهامهم الفنية، وتقول: خلال المفاوضات مع أحد المدربين الأجانب، اشترط إلزام النادي بتوفير سيارة خاصة لزوجته مصحوبة بسائق دائم يكون تحت تصرفها الكامل طوال اليوم، ليتولى نقلها وتخليص كل طلباتها واحتياجاتها المنزلية والترفيهية.

وتضيف نسرين مستغربة: مثل هذه الشروط تحول النادي من مؤسسة رياضية محترفة إلى جهة مسؤولة عن الرفهية اليومية لعائلات المدربين، في دلال زائد يوضح كيف طغت الشروط الشخصية الهامشية على تفاصيل العقود كشرط أساسي للتوقيع.

في نهاية المطاف، تكشف شهادات وكلاء اللاعبين أن عقود كرة القدم لم تعد مجرد وثائق تجارية جافة، بل تحولت إلى مرآة تعكس حجم النفوذ الطاغي الذي بات يتمتع به النجم الحديث في عالم الساحرة المستديرة. هذه الشروط الغريبة والمطالب العائلية شديدة الخصوصية رغم طرافتها أحياناً وغرابتها أحياناً أخرى تؤكد أن الأندية أصبحت تدرك تماماً أن شراء أقدام اللاعبين لا يكفي لتحقيق الانتصارات، ما لم يتم شراء راحة بالهم واستقرارهم النفسي والأسري أولاً. وبين مطرقة تلبية رغبات النجوم المدللة وسندان القوانين المالية الصارمة، يبقى وكيل اللاعبين هو المهندس الخفي الذي يدير هذا التوازن الحرج، لتبقى العقود الرياضية شاهدة على أن كرة القدم تدار بالبشر ومشاعرهم، قبل أن تدار بالأموال والبطولات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *