كيف تؤثر نفسية المتلقي على تفسير الرسالة؟

لماذا يختلف المتلقي رغم نفس المصدر؟
عادة ما نُعزى اختلاف آراء الناس إلى اختلاف بيئاتهم النشأة، أو المدارس التي تعلموا فيها، أو الكتب التي قرأوها، أو المعلمين الذين استقوا منهم المعرفة. لكن التساؤل الأكثر عمقاً يظل: لماذا يتفاوت الأفراد في الفهم حتى عندما يكون المصدر واحدًا؟ كيف يمكن لأبناء أسرة واحدة أن يتلقوا التوجيه نفسه والقيم المتشابهة، ثم ينتهى أحدهم إلى التوازن والصلاح، بينما يصبح آخر سلبياً يحمل فقط مظهر التربية، وثالث ينحرف، ورابع يتشدد ويرى العالم من خلال نظرة ضيقة؟
طبيعة التلقي وتأثير النفس
الإشكالية لا تقتصر على المنهج الدراسي أو البيت أو المعلم فحسب، بل تتعلق بطريقة تلقي المعلومات. فالرسالة التي تنطلق من المصدر لا تصل إلى العقول بالصورة التي خرجت بها؛ لأنها تمر عبر نفسية المتلقي، ومستوى استعداده، وتجاربه السابقة، ومخاوفه، وجروحه، وطموحاته، واحتياجه للاعتراف أو الانتماء. وهكذا قد تكون نفس الكلمة نوراً يضيء قلب شخص، وحجة قاسية في يد آخر، وعبئاً نفسياً عند ثالث، أو مجرد صوت عابر لا يترك أي أثر عند رابع.
الفهم والتأويل والاستجابة
من هنا يصبح التمييز ضرورياً بين ثلاث مراحل: الفهم، وهو ما يصل إلى العقل؛ والتأويل، وهو الطريقة التي يفسر بها الإنسان ما وصل إليه؛ والاستجابة، وهي السلوك الذي ينجم عن ذلك كله. يفهم شخصان النص نفسه، لكن أحدهما يؤوله برحمة، والآخر يؤوله بصدام، بينما الثالث يحفظه دون أن يتحول إلى سلوك عملي. لذلك لا يكفي قياس أثر التربية بسؤال: ماذا يعرف الأبناء والطلاب؟ بل يجب السؤال: ماذا فعلت هذه المعرفة في عقولهم وضمائرهم وسلوكهم؟
من الإرسال إلى التلقي: اتجاه تربوي جديد
التشدد والانحراف لا ينبعان دائماً من فراغ معرفي واضح؛ فقد يلجأ شخص إلى التشدد بحثاً عن يقين مطلق في عالم معقد، أو يجد في القسوة شعوراً زائفاً بالتفوق الأخلاقي؛ بينما قد ينحرف آخر بسبب شعوره بالرفض أو بحثه عن لذة فورية. العلاج يبدأ عندما ننتقل من ثقافة الإرسال إلى ثقافة التلقي؛ أي من سؤال «ما قلنا؟» إلى سؤال «كيف تم فهمه؟»؟. نحتاج إلى تربية تعلّم الفرد كيف يطرح الأسئلة، ويختلف دون كراهية، ويؤمن دون تعالي، ويطيع القانون دون أن يفقد قدرته على التفكير. خطورة التربية تكمن في الظن أن الكلام الصالح يصل إلى الجميع بنفس الصورة التي خرج بها من أفواهنا، وتجاهل حقيقة أن الرسالة الواحدة لا تدخل العقول من باب واحد ولا تخرج منها بنتيجة واحدة. من هنا تنشأ الحاجة إلى مشروع تربوي أعمق لا يكتفي بسلامة الخطاب، بل يركز قبل وبعد على سلامة التلقي.
لرؤية مقالات سابقة للكاتب، يمكن النقر على اسمه
تتحمل مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي الكاتب وحده، بينما لا تتحمل الصحيفة أي مسؤولية عن الآراء الواردة فيها.



