الرئيسيةكتاب و آراءالمواطنة والأخلاق المدنية في الفكر الغربي:...
كتاب و آراء

المواطنة والأخلاق المدنية في الفكر الغربي: قراءة في كتاب الخنيفر

05/07/2026 09:00

يتجلى شغفي بكتاب الخنيفر في كونه امتداداً لاهتمامي المتواصل بمفهومي المواطنة والأخلاق الحديثة. هذا الاهتمام بدأ بكتاب مهم وموجز يحمل عنوان «من الحكيم القديم إلى المواطن الحديث: دراسات في الثقافة الأخلاقية»، أعدّه مجموعة من أساتذة الفلسفة في فرنسا، وترجم وعلّق عليه محمد مندور، وصدر عن لجنة التأليف والترجمة والنشر في عام 1944.

مسار القراءة عبر أعمال سابقة

بعد ذلك، أُتيحت لي فرصة الاطلاع على مؤلف آخر بعنوان «ما المواطنة؟» للكاتبين دومينيك شنابر وكريستيان باشولييه، ترجمت سونيا محمود نجا إلى العربية ونُشر عام 2016. تبعه كتاب «تاريخ موجز للمواطنية» للباحث ديريك هيتر، ترجم آصف ناصر ومكرم خليل، وصدر بنسخته العربية عام 2007.

سبب اختيار كتاب الخنيفر

ما دفعني إلى كتاب الخنيفر هو استعراضه لتاريخ نشوء الأخلاق المدنية في الحضارة الغربية، بدءاً من الجذور اليونانية وصولاً إلى مطلع القرن العشرين. يضم الكتاب 576 صفحة استندت إلى 645 مصدرًا ومرجعًا، معتمدًا منهجية تسهل على القارئ غير المتعمق في الركام الفكري الوصول إلى جوهر الفكرة، رغم أن أسلوبه أكاديمي ورصين.

الكتاب أصلاً يمثل أطروحة علمية سُلمت للحصول على درجة الدكتوراه، لذا لا يمكن اختصاره في بضع سطور؛ فحتى ما كُتب على ظهر الغلاف لا يغطي كل ما يحتويه النص.

المواطنة في سياق التحولات العربية

تتجدد فكرة “المواطنة” الآن لتستقر في الوعي الجمعي، خصوصاً بعد ما أُطلق على سلسلة الأحداث في الوطن العربي اسم “الربيع العربي”. من وجهة نظري، كان هذا الربيع إشارة إلى تلاشي الشرعية التي نشأت بعد سقوط الدولة العثمانية، حيث سعت دول عربية إلى الاستقلال والتحرر الوطني، وتوحدت في جامعة الدول العربية عام 1945 لتؤسس هوية عربية مشتركة فوق إطار الدولة.

لم تُقصد الجامعة العربية كهيكل إداري فحسب، بل ككيان هوية يكمّل ضعف الدول في تلك الفترة ويعزز مبدأ “حق تقرير المصير”. وفي ظل توترات الحرب الباردة، تشكل محورٍ دولي يضم السعودية وباكستان والولايات المتحدة، ثم تأسست رابطة العالم الإسلامي عام 1962، وتلتها الحرب الأفغانية بين عامي 1979 و1989.

الأيديولوجيا والهويات في العصر الحديث

كل بناء سياسي يحمل في طياته مبررات أيديولوجية، وتُظهر الأيديولوجيا وفق فهمي أنها ما يفرق بين الإنسان وأخيه. تجسدت هذه الفروق في أمثلة مثل النازية التي ارتدت عباءة العلم، أو الإسلام السياسي الذي استُخدم كقناع ديني. بعد سقوط جدار برلين، اندلعت صراعات هويات كبرى استُغلت ضد الشيوعية، ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتُعَدّ بمثابة إشارة إلى تفكك تلك الهويات تحت وطأة العولمة.

ظهرت في الأثر ما يُسمى “الهويات الوطنية” إلى جانب الهويات الطائفية والقبلية والمذهبية، وهو ما انعكس بوضوح على العالم العربي في ما سُمي “الربيع العربي” عام 2011.

إشارات سابقة إلى مستقبل المواطنة

على الرغم من وجود انتقادات موجهة إلى محمد حسنين هيكل، لا يمكن إغفال إسهاماته الاستباقية قبل الربيع العربي، حيث ألقى محاضرة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2002 بعنوان “المستقبل… الآن”. حذر فيها من أن “الشرعية الثورية في مصر قد استنفدت أغراضها وتفككت مع مرور الوقت، خاصةً بعد أن تحولت إلى محاولة لتثبيت دعائم شرعية دستورية شكلية لا تمثل طموحات الشعب، متجاهلةً التحديات ومرتكزةً على إرث قديم دون مشروع وطني متجدد، مما يضع البلاد في مأزق خطير”.

من هذا المنطلق، يمكن اعتبار المواطنة نظرية تستند إلى ما ذُكر من مصادر وكتب، وتُظهر نماذج شخصية متعددة مثل أحمد الربعي، غازي القصيبي، جورج قرم، محمد الشرفي، وغيرهم. بالإضافة إلى ذلك، يبرز اسمان يمثلان سلوك المواطنة من خارج القِمم التنفيذية للدولة: توفيق السيف وأحمد عصيد. هذان المثالان يبرزان كأفراد عملوا بإخلاص وطني من موقع الأقلية، ساعيًا إلى إصلاح النظام من الداخل دون أن يتقنوا دور “المثقف الوزير”.

تجربتهما تُظهر أن النضال من أجل حقوق المواطنة داخل ظل الدولة الحديثة يحمل قيمة شرفية وإنسانية، إذ يظلّ السؤال الأساسي هو مدى قدرة المجتمع على فهم وتقبل مفهوم المواطنة الذي لا يميز في الحقوق بين مواطن وآخر. هذا الفهم يُكسب احترامًا حتى من المعارضين العقلانيين، بينما يظلّ المتعنتون يفتقدون إلى هذا الوعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *