سلطان الجابر: 34 مليار يورو حجم الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا وشراكة استراتيجية جديدة

تتجه العلاقات الاقتصادية بين دولة الإمارات وجمهورية ألمانيا الاتحادية نحو آفاق جديدة تتخطى نطاق التبادل التجاري التقليدي، لتتحول إلى شراكة استراتيجية ممتدة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والأمن الاقتصادي.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة هاندلسبلات الألمانية، أوضح معالي الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والمبعوث الخاص لدولة الإمارات إلى ألمانيا، أن الإمارات تعول على ألمانيا باعتبارها محوراً رئيسياً للصناعة والتكنولوجيا. وجاء هذا المقال بالتزامن مع الزيارة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، إلى ألمانيا، وهي الأولى من نوعها لرئيس إماراتي. ويرى الجابر أن هذه الزيارة تمثل محطة تاريخية في مسار شراكة بنيت على مدى عقود، وتكتسب أهمية متزايدة في ظل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة.
أرقام التجارة والاستثمار
بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 13.6 مليار يورو خلال عام 2025، محققاً نمواً نسبته 15% مقارنة بالعام الذي سبقه. كما ارتفعت الصادرات الإماراتية إلى السوق الألمانية بنسبة 58%، وفقاً لما أورده الجابر في مقاله. وتكشف هذه الأرقام عن تسارع ملحوظ في العلاقات الاقتصادية، وتبرز فرصاً واسعة لتحويل النمو التجاري إلى مشاريع واستثمارات مشتركة ذات أثر بعيد المدى.
وتستند هذه الشراكة إلى تكامل نقاط القوة بين الجانبين: إذ تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية متطورة وخبرات هندسية راسخة وقدرات متقدمة في البحث والتكنولوجيا، في حين توفر الإمارات رأس المال والطاقة والبنية التحتية وشبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية الدولية. كما يمكن للإمارات أن تفتح أبواب أسواق الخليج وآسيا وأفريقيا أمام الشركات الألمانية التي تسعى إلى التوسع خارج أوروبا.
وتجاوزت قيمة الاستثمارات الإماراتية القائمة في ألمانيا 34 مليار يورو، ويعمل في الإمارات أكثر من ألفي شركة ألمانية، مما يشكل قاعدة صلبة للانتقال إلى مستوى أوسع من التعاون الاستثماري. ومن أبرز الأمثلة على الحضور الإماراتي طويل الأجل في الاقتصاد الألماني الاستثمار في شركة كوفيسترو المتخصصة في صناعة المواد، إلى جانب مشاركة شركة مصدر في مشروع بالتيك إيغل لطاقة الرياح البحرية. وتعكس هذه المشاريع توجهاً إماراتياً لدعم القاعدة الصناعية الألمانية والمساهمة في تعزيز أمن الطاقة وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام.
مجلس استثماري وقطاعات واعدة
واقترح الجابر إنشاء مجلس استثماري إماراتي ألماني يتولى حشد رؤوس الأموال طويلة الأجل وتحديد الفرص الواعدة ومعالجة العقبات التي تواجه الشركات والمستثمرين. ومن المتوقع أن يؤدي هذا المجلس دوراً عملياً في تحويل التفاهم السياسي إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مع توفير قناة مباشرة للحوار بين الحكومات والشركات والمؤسسات الاستثمارية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه ألمانيا ضغوطاً مرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة العالمية والحاجة إلى تحديث بنيتها الصناعية. ويمكن لرؤوس الأموال الإماراتية أن تساهم في تمويل التحول الصناعي والتكنولوجي، مع منح المستثمرين الإماراتيين فرصة للدخول إلى واحدة من أهم القواعد الإنتاجية في أوروبا.
وتركز المرحلة المقبلة على الصناعات المتقدمة والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية وعلوم الحياة والتكنولوجيا الزراعية، إضافة إلى مشاريع الطاقة النظيفة والبنية التحتية. وتتوافق هذه المجالات مع استراتيجية الإمارات لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، كما تنسجم مع حاجة ألمانيا إلى تسريع التحول الرقمي وتطوير صناعات المستقبل والحفاظ على قدرتها التنافسية.
ودعا الجابر الشركات الألمانية إلى زيادة استثماراتها وأنشطتها الصناعية في الإمارات، والاستفادة من موقع الدولة كمنصة للوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية. ووفقاً لوزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية، ارتفع عدد الشركات الألمانية المسجلة في الإمارات بنسبة 35% خلال عام 2025 ليصل إلى 7685 شركة بحلول نهاية مايو 2026، بينما تجاوز عدد العلامات التجارية الألمانية المسجلة في الدولة 20 ألف علامة.
ولا تستهدف الشراكة المقترحة زيادة حجم التجارة فحسب، بل تسعى الإمارات وألمانيا إلى بناء صناعات أكثر قوة واقتصادات وسلاسل إمداد أكثر مرونة، مع تسريع الابتكار وتعزيز أمن الطاقة وخلق فرص جديدة للشركات والعمال في البلدين. وتقدم الإمارات نفسها في هذا الإطار شريكاً استثمارياً طويل الأجل يملك القدرة على توفير رأس المال والوصول إلى الأسواق والطاقة والبنية التحتية، بينما تقدم ألمانيا قاعدة صناعية وتكنولوجية قادرة على تحويل هذه الموارد إلى منتجات وتقنيات ومشاريع ذات قيمة عالمية. وهكذا يمكن للزيارة التاريخية أن تشكل بداية مرحلة اقتصادية جديدة تتقدم فيها الاستثمارات النوعية على الصفقات المؤقتة، وتصبح فيها الصناعة والتكنولوجيا محوراً لشراكة إماراتية ألمانية أكثر عمقاً وتأثيراً.



