الإمارات تتحول إلى مركز عالمي لإدارة الأصول مع تدفق مؤسسات مالية كبرى

توسع المؤسسات المالية العالمية
تشهد دولة الإمارات تسارعاً ملحوظاً في انفتاحها على المؤسسات المالية والاستثمارية العالمية، حيث تسعى صناديق التحوط ومديرو الأصول والبنوك الخاصة وشركات إدارة الثروات إلى إنشاء مكاتب جديدة أو توسيع القائم منها في دبي وأبوظبي، أو طلب الموافقات التنظيمية اللازمة، ما يعكس تحول الدولة إلى قاعدة تشغيلية ناشطة لصناعة إدارة الأموال على الصعيد العالمي.
وبحلول نهاية النصف الأول من 2026، تجاوز عدد الشركات النشطة المسجلة في مركز دبي المالي العالمي عشرة آلاف شركة لأول مرة، حيث بلغ عدد الشركات الخاضعة لرقابة الخدمات المالية 1,134 شركة، وشركات إدارة الثروات والأصول 592 شركة، بالإضافة إلى 327 بنكاً، ويحتضن المركز أكبر تجمّع لصناديق التحوط في المنطقة.
وفي أبوظبي، سجلت سلطة تنظيم الخدمات المالية في “أبوظبي العالمي” ارتفاعاً في عدد الشركات العاملة إلى 392 شركة خلال نفس الفترة، مع نمو سنوي قدره 27٪، كما أصدرت 50 موافقة مبدئية ومنحت 45 ترخيصاً جديداً لمزاولة الخدمات المالية.
التراخيص والموافقات والنمو في الائتمان الخاص
حصلت أربع مؤسسات عالمية على موافقات تنظيمية لتوسيع أعمالها في الإمارات خلال أسبوع واحد في يونيو 2026: شركة “بلو أول كابيتال” في التاسع من الشهر، و”بنك سنغافورة” في العاشر، إلى جانب “أوك هيل أدفايزرز” و”فرانكلين تمبلتون” في السادس عشر.
وحصلت “أوك هيل أدفايزرز” على الترخيص الرسمي من سلطة دبي للخدمات المالية في السادس عشر من يونيو، وهو نفس اليوم الذي رحب فيه مركز دبي المالي العالمي بالشركة التي تدير أصولاً بقيمة 112 مليار دولار، وتمثل هذه الخطوة التوسع الثاني للشركة داخل المركز خلال عام واحد بعد أن أصبحت مديراً لصندوق التحوط رقم 100 المسجل هناك في أواخر 2025.
وافتتحت “بلو أول كابيتال” مكتباً لها في سوق أبوظبي العالمي ليكون مقرها السابع في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا والثالث والعشرين عالمياً، وأكد الرئيسان التنفيذيان المشاركان دوغ أوستروفر ومارك ليبشولتز أن هذا السوق ليس جديداً عليهم بل يشكل المرحلة التالية من مسار نموهم في المنطقة.
وبحسب دراسة أجرتها “بي دبليو سي” بالشراكة مع مركز دبي المالي العالمي، يتوقع أن يسجل الائتمان الخاص نمواً سنوياً مركباً يتراوح بين 15٪ و30٪ على مدى خمس إلى ست سنوات، ما قد يرفع حجم السوق إلى ما بين 11 و20 مليار دولار بحلول عام 2030.
وأظهرت الدراسة نفسها أن الائتمان الخاص يشكل نحو 2٪ فقط من محافظ المكاتب العائلية في الشرق الأوسط، مقارنة بـ4٪ في الولايات المتحدة و3٪ في أوروبا.
البنوك الخاصة وإدارة الثروات
أطلق “البنك العربي سويسرا” كياناً تابعاً في مركز دبي المالي العالمي يهدف إلى خدمة أصحاب الثروات ورواد الأعمال والمكاتب العائلية في المنطقة، ويدير البنك أصولاً تقارب 25 مليار دولار.
ويضم المركز 592 شركة لإدارة الثروات والأصول، بينما ارتفع عدد الكيانات المرتبطة بالشركات العائلية إلى 1,408 كياناً بنهاية النصف الأول من 2026، بنمو سنوي قدره 36٪، ما يعكس اتساع قاعدة العملاء التي تتنافس المؤسسات المالية العالمية على خدمتها من دبي.
وأعلن “بنك سنغافورة”، الذراع المصرفية الخاصة لمجموعة “أو سي بي سي”، في العاشر من يونيو تعيين ليم ليونغ غوان، المخضرم في الصيرفة الخاصة بخبرة 35 عاماً منها 25 في “يو بي إس لإدارة الثروات”، رئيساً للصيرفة الخاصة لمنطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا والقطاع الدولي، إضافة إلى توليه منصب الرئيس التنفيذي لفرع البنك بمركز دبي المالي العالمي شريطة الحصول على الموافقة التنظيمية.
ومن جانبه، استقطب بنك “باركليز” فرزاد بيليموريا، بخبرة 30 عاماً وكان يشغل سابقاً منصب رئيس المصرفية الخاصة لدى “إتش إس بي سي” في الإمارات، ليتولى رئاسة المصرفية الخاصة في دولة الإمارات اعتباراً من الأول من يوليو 2025 ومقره دبي.
وحصلت “فرانكلين تمبلتون” في السادس عشر من يونيو على تراخيص من هيئة الأوراق المالية والسلع في الإمارات لكيانها في أبوظبي، لتصبح أول مدير أصول عالمي يعمل عبر كافة النطاقات التنظيمية المالية الثلاثة في الدولة بعد تواجد دام لأكثر من 25 عاماً.
وامتد التوجه ذاته إلى “البنك العربي سويسرا”، الذي أطلق كيانه التابع “إيه بي إس (الشرق الأوسط) المحدودة” في مركز دبي المالي العالمي بتاريخ الثلاثين من يونيو، وعين سمير عطية الله رئيساً تنفيذياً له بعد استقطابه مباشرة من المنافس “ميرابود” للشرق الأوسط.
ويدير البنك أصولاً تقارب 25 مليار دولار، معتمداً على علاقات تاريخية مع رواد الأعمال والمكاتب العائلية في المنطقة تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
أبوظبي وجذب المؤسسات والأصول
وفي موازاة دبي، تشهد أبوظبي موجة واسعة من تأسيس وتوسيع مكاتب المؤسسات العالمية، وتظهر نتائج “أبوظبي العالمي” للنصف الأول أن قائمة المؤسسات المالية التي أسست أو أطلقت أو وسعت حضورها خلال 2026 شملت “كابيتال جروب”، و”مان جروب”، و”بارينغز”، و”بين كابيتال”، و”هيلهاوس إنفستمنت”، و”موزينيك آند كو”، و”ماديسون ريالتي كابيتال”، و”جرو إنفستمنت جروب”، و”روكوس كابيتال مانجمنت”، إلى جانب مؤسسات أخرى.
وتبرز “هيل هاوس إنفستمنت” بين هذه المؤسسات، إذ افتتحت مكتباً في أبوظبي العالمي في أبريل بعد حصولها على ترخيص من الفئة 3C من سلطة تنظيم الخدمات المالية، في خطوة قالت الشركة إنها تعكس التزامها طويل الأجل تجاه المنطقة.
كما افتتحت “روكوس كابيتال مانجمنت” مكتباً جديداً في أبوظبي بعد حصولها على تصريح للخدمات المالية، مضيفة الإمارة إلى شبكتها التي تضم لندن ونيويورك وسنغافورة، وتعمل الشركة في استراتيجيات متعددة الأصول مع تركيز قوي على الاستثمار وفق اتجاهات الاقتصاد الكلي العالمي.
وفي يونيو، افتتحت “بلو أول كابيتال” مكتبها في أبوظبي العالمي، في خطوة لتعزيز حضورها الإقليمي وعلاقاتها بالمستثمرين في الشرق الأوسط، ولا سيما في مجال الاستثمارات البديلة.
كما برزت خلال العام تحركات “بالياسني أسيت مانجمنت” لتوسيع عملياتها في أبوظبي، إلى جانب “مان جروب”، التي تحركت لتأسيس وجود في الإمارة، في مؤشر إلى أن أبوظبي أصبحت وجهة رئيسة لصناديق التحوط ومديري الاستثمارات البديلة إلى جانب قاعدة مديري الأصول التقليديين.
ويظهر حجم المؤسسات الموجودة في أبوظبي اتساع التحول، فبحسب نتائج “أبوظبي العالمي”، ارتفع عدد مديري الأصول والصناديق المسجلين فيه إلى 190 مديراً في النصف الأول من 2026، بزيادة 23٪، فيما ارتفع عدد الصناديق المدارة انطلاقاً من المركز بنسبة 32٪ إلى 276 صندوقاً.
والأكثر دلالة أن شركات إدارة الأصول التي أسست أعمالاً في أبوظبي العالمي تدير على المستوى العالمي أكثر من 2.1 تريليون دولار من الأصول، فيما ارتفع حجم الأصول المدارة فعلياً ضمن أبوظبي العالمي بنسبة 54٪ على أساس سنوي.
وتستند الموجة إلى قاعدة متنامية من الثروات الخاصة والمؤسسية في الإمارات والخليج، وتشير بيانات تقرير الثروة العالمي لـ”يو بي إس” لعام 2026 إلى ارتفاع متوسط ثروة البالغين في الإمارات بنحو 25٪ بين 2020 و2025، ووصول عدد المليونيرات بالدولار إلى نحو 183 ألف شخص.
ويضاف إلى ذلك وجود الصناديق السيادية والمكاتب العائلية وأصحاب الثروات الفائقة، ما يمنح مديري الأموال العالميين إمكانية الوصول إلى قاعدة كبيرة من رؤوس الأموال من خلال وجود محلي، بدلاً من تغطية المنطقة من لندن أو نيويورك أو سنغافورة.
وتظهر المنافسة كذلك في استقطاب الكفاءات المصرفية والاستثمارية، فقد شهد السوق انتقال مصرفيين مخضرمين لتولي قيادة أعمال الصيرفة الخاصة وإدارة الثروات في الإمارات، ما يشير إلى أن المنافسة لم تقتصر على افتتاح المكتب أو الحصول على الترخيص، بل امتدت إلى استقطاب مديري العلاقات والاستثمار الذين يمتلكون شبكات طويلة مع أصحاب الثروات والمكاتب العائلية في المنطقة.
وكشف نتائج النصف الأول من العام عن الحجم الذي وصل إليه القطبان الماليان، ففي دبي بلغ عدد الشركات النشطة 10,018 شركة، منها 1,134 شركة خدمات مالية خاضعة للتنظيم و592 شركة لإدارة الثروات والأصول. وفي أبوظبي، بلغ عدد الرخص النشطة 13,974 رخصة، بينما وصل عدد الشركات التشغيلية إلى 3,986 شركة، وارتفع عدد شركات الخدمات المالية إلى 392 شركة، كما أصدر المركز 1,814 رخصة جديدة بمختلف أنواعها خلال النصف الأول.
وتشير هذه التحركات مجتمعة إلى تحول نوعي في موقع الإمارات على خريطة إدارة الأموال العالمية، إذ لم يعد الحضور الدولي مقتصراً على مكاتب تمثيل أو فرق صغيرة لجمع رؤوس الأموال، بل بات يشمل مكاتب استثمار، وكيانات منظمة، ومديري محافظ وصناديق، وبنوكاً خاصة، وشركات ائتمان خاص واستثمارات بديلة تتخذ من دبي وأبوظبي قواعد فعلية لخدمة المنطقة والأسواق العالمية.



