رغم امتلاء السدود بـ60% تستمر انقطاعات مياه الشرب في تونس

رغم وصول نسبة امتلاء السدود في تونس إلى 60% من طاقتها الإجمالية، لا تزال مناطق في البلاد تشهد انقطاعات واضطرابات في توزيع مياه الشرب.
الوضع المائي والسدود
صرح المدير العام للسدود والأشغال المائية فائز مسلم أن المخزون الحالي يكفي لتغطية الاحتياجات الوطنية خلال الصيف، ووصف مستوى الامتلاء بأنه “مطمئن جدا” مقارنة بالسنوات الأخيرة التي شهدت تراجعا حادا في الموارد المائية، مبينا أن هذا المخزون من شأنه أن يخفف الضغوط التي عرفتها البلاد في السنوات الماضية والتي دفعت إلى اعتماد إجراءات استثنائية مثل الانقطاعات الدورية للمياه في بعض المناطق.
أسباب الانقطاعات وفق المسؤولين
قال المسؤول السابق بوزارة الفلاحة محمد قلايد إن الانقطاعات مرتبطة بانقطاع التيار الكهربائي وبمشاكل لوجستية تتعلق بتوزيع وتحويل المياه، مشيرا إلى أن استخراج المياه من الآبار الجوفية ونقلها يحتاج إلى طاقة، فعندما تنقطع الكهرباء تنقطع المياه في ظل ارتفاع الاستهلاك ودرجات الحرارة.
وأضاف قلايد أن الجهات المختصة تلجأ إلى قطع المياه من الثامنة مساء حتى الصباح لملء الخزانات وزيادة الضغط لضمان وصول المياه إلى الطوابق العليا في المدن، موضحا أن عدد السكان في المناطق الساحلية يزداد خلال الصيف بسبب الاصطياف والسياحة الداخلية ما يرفع الطلب على المياه ويعمق الأزمة.
ولفت إلى عدم وجود استشراف للمستقبل رغم معرفة حجم العجز وعدد السكان، مؤكدا أن البلاد لم تستعد لهذه الأوضاع سواء بمشاريع جديدة أو سياسات جديدة للتوزيع.
وفيما يخص الأرياف، أشار قلايد إلى وجود نحو 1.5 مليون تونسي يتزودون بالمياه عبر حوالي 2500 جمعية لمياه الشرب و2500 جمعية للري، وحذر من أن غياب الحوكمة الرشيدة يؤدي إلى فشل النظام، واقترح إنشاء مؤسسة وطنية تحت اسم “شركة توزيع المياه في الأرياض” تتولى إدارة الملف بدلا من الجمعيات والمتطوعين وتضمن انتظام التوزيع وتحصيل المستحقات.
كما ذكر أن مجلة المياه الجديدة التي ينظر فيها البرلمان حاليا تتضمن مقترحا لتحويل الجمعيات المائية إلى مؤسسة تُعنى بإدارة المياه في الأرياف.
وعن البنية التحتية، شدد قلايد على ضرورة تطوير شبكات التوزيع وإعادة بنائها وإنشاء محطات ضخ جديدة وخزانات جديدة، لافتا إلى عدم وجود مشاريع جديدة منذ عشر سنوات، وذكر دراسة بدأت تمويلها لتحويل 50 مليون متر مكعب من مياه أقصى الشمال إلى سدي نبهانة وسيدي سعد في ولاية القيروان، ورؤية لعام 2050 تجعل سد نبهانة خزانا يُعبأ بمياه الشمال لتوفير مياه الشرب لولايتي القيروان وسيدي بوزيد وللري في القيروان، وختم بأن المشكلة تكمن في توفير الاعتمادات المالية.
تحليل الخبير حسين الرحيلي
قال الخبير حسين الرحيلي إن الانقطاعات تعود إلى تهالك البنى التحتية وتخلي الدولة عن تجديدها، موضحا أن أزمة المياه تتعدى مياه الشرب إلى مياه الري ما يؤثر في حجم المحاصيل الزراعية وأسعارها.
وأكد أن السياسة العمومية للماء أثبتت فشلها منذ أواخر الستينات وحتى اليوم، وأن حديث الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه عن سعيها لتحقيق التوازن المالي يعكس ضعف الاستثمار في القطاع ونقص اليد العاملة.
وصف قنوات المياه بأنها “مهترئة” وغير قادرة على تمرير كميات كبيرة في وقت الذروة، مبينا أن شبكة المياه تمتد لأكثر من 57 ألف كيلومتر وأن أكثر من 20 بالمئة منها يتجاوز عمرها 50 عاما.
وصف الأزمة بأنها “هيكلية متعددة الأبعاد” وأن التعامل معها يتم عبر interventions السريعة والحلول الترقيعية، مشيرا إلى وجود مناطق في الرديف تبقى شهرا كاملا من دون مياه، بينما تنقطع مياه الشرب خلال الشتاء عن بعض أرياف الشمال الغربي حيث توجد السدود لمدة قد تصل إلى شهرين، مؤكدا أن هذه الانقطاعات لا ترتبط بالطلب أو بالفصول بل بالبنية التحتية وطريقة إدارة مياه الشرب في الأرياف.
وأشار الرحيلي إلى أن 35 بالمئة من إجمالي عدد سكان تونس يعيشون في الأرياف، ووصف الجمعيات المائية هناك بأنها “مجموعات فساد” خلقها نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي منذ 2003 باعتبار أن من يملك الماء يملك السلطة، ودعا إلى إنشاء شركة حكومية ريفية لتوزيع المياه تعامل مع سكان الأرياف كمواطنين من الدرجة الأولى وتوفر لهم مياها جيدة بطريقة منتظمة.
بيانات المرصد التونسي للمياه
وفقا للمرصد التونسي للمياه (جهة مستقلة) تلقى 423 بلاغا بشأن خدمات التزود بالمياه خلال يونيو/ حزيران الماضي، شملت 374 بلاغا عن انقطاعات واضطرابات غير معلنة في توزيع مياه الشرب و6 بلاغات عن تلوث المياه أو سوء جودتها.
وأضاف أن شبكة المياه شهدت خلال الفترة نفسها 20 حالة تسرب، ونظم المواطنون 23 تحركا احتجاجيا على خلفية مشكلات التزود بالمياه.



