المقاطرة بين تعز وعدن: تقدم الحوثيين يثير قلق الجنوب وقراءة عسكرية تستبعد الوصول إلى عدن

لم يعد الصراع العسكري في اليمن محصوراً في الجبهات المعتادة، فقد شهدت الأشهر الأخيرة تصعيداً واسعاً وتبدلات ميدانية أعادت ترتيب خطوط المواجهة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي.
وتمددت الاشتباكات إلى مساحات جديدة في الساحل الغربي ومحافظتي تعز ولحج جنوب البلاد، حتى بلغت مديرية المقاطرة التي تحظى بموقع استراتيجي على الطريق الذي يصل تعز بالعاصمة المؤقتة عدن.
توزيع النفوذ وتغير خطوط السيطرة
تسيطر جماعة الحوثي على صنعاء وأغلب المحافظات الشمالية والغربية، ومنها صعدة وعمران وذمار وإب وحجة والمحويت وريمة والجوف، إضافة إلى مساحات واسعة من الحديدة والبيضاء ومأرب وتعز. في المقابل تنتشر القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها في المحافظات الجنوبية والشرقية، مثل عدن وأبين ولحج وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، وكذلك في أجزاء من تعز ومأرب والساحل الغربي.
لكن خطوط السيطرة تحركت في التصعيد الأخير؛ إذ سجل الحوثيون تقدماً في مناطق بالساحل الغربي قرب مضيق باب المندب، واختراقات في المرتفعات الجبلية بتعز ولحج، فيما تحاول القوات الحكومية وقف التقدم واستعادة ما فقدته.
وتشير دراسات وتقديرات متخصصة في رصد النزاع اليمني إلى أن الحوثيين يسيطرون على نحو ثلث مساحة البلاد، بينما تقع قرابة الثلثين تحت سيطرة القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها. غير أن هذه النسب لا تعبر عن التوزيع السكاني؛ فمناطق الحوثيين تضم المدن الأكثر كثافة سكانية، ويقدر أن ما بين 70 و80 بالمئة من السكان يعيشون تحت سيطرتهم، في حين تتركز المساحات الأكبر خارج نفوذهم في المحافظات الشرقية والجنوبية الأقل كثافة.
وتبقى هذه التقديرات تقريبية لأنها تعتمد على خرائط سبقت التصعيد الأخير، وقد لا تعكس ما جرى على خطوط السيطرة خلال سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر الجاري.
المقاطرة.. موقع يمنحها ثقلاً عسكرياً
خلال الأيام الأخيرة أصبحت مديرية المقاطرة شمالي لحج واحدة من أبرز ساحات القتال، بعد أن تقدم الحوثيون وسيطروا على مواقع مرتفعة وذات أهمية، من بينها قلعة المقاطرة التاريخية.
تقع المديرية شمال غربي مدينة الحوطة، مركز محافظة لحج، وتبعد عنها نحو 83 كيلومتراً، وتبلغ مساحتها 476 كيلومتراً مربعاً، بينما كان عدد سكانها 54 ألفاً و613 نسمة بحسب تعداد عام 2004.
ويحد المقاطرة من الشمال محافظة تعز، ومن الغرب مديرية المضاربة ورأس العارة، ومن الجنوب والشرق طور الباحة، وهو موقع يمنحها قيمة عسكرية لأن مرتفعاتها تطل على طرق حيوية تربط تعز بالمناطق الجنوبية. وقد كانت المديرية تتبع تعز قبل أن تنقل إدارياً إلى لحج، ما يعكس ارتباطها الجغرافي بمناطق التماس بين المحافظتين.
ويكمن خطر التقدم الحوثي في طبيعة تضاريس المقاطرة الجبلية؛ فمن يسيطر على مرتفعاتها يستطيع مراقبة طرق الحركة والإمداد، وعلى رأسها الطريق الاستراتيجي بين تعز وعدن عبر منطقة هيجة العبد. كما أن قربها من طور الباحة، إحدى البوابات الشمالية لمحافظة لحج، يزيد وزنها في أي تحرك نحو الجنوب.
ولذلك لا يقتصر أثر السيطرة على مواقع في المقاطرة على تعديل خطوط التماس، بل قد يمتد إلى تهديد طرق إمداد الحكومة وفتح محاور ضغط جديدة نحو لحج وعدن.
مخاوف عدن وضغط الجبهات المتعددة
أثار تقدم الحوثيين في المقاطرة قلقاً من اقتراب القتال من عدن، التي تتخذها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عاصمة مؤقتة. ولا تتصل هذه المخاوف بالمسافة وحدها، بل بما قد يعنيه السيطرة على المرتفعات والممرات الحيوية من تهديد لخطوط الإمداد وفتح جبهات جديدة صوب المحافظات الجنوبية.
كما أن استمرار الضغط الحوثي على تعز ولحج والساحل الغربي، بالتوازي مع المواجهات قرب باب المندب، يضع القوات الحكومية أمام مهمة صعبة لتوزيع قدراتها على جبهات متباعدة. وتزداد الصعوبة مع تعدد التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين، والحاجة إلى تنسيق عملياتها وتوحيد قرارها العسكري حتى لا تستغل الجماعة أي فراغ في خطوط الدفاع.
وفي وقت تحاول الجماعة تثبيت مكاسبها وتوسيع نفوذها، تدفع القوات الحكومية والقوى العسكرية الجنوبية بتعزيزات لاحتواء التقدم واستعادة المواقع المفقودة، ومنع انتقال المعارك إلى عمق المحافظات الجنوبية.
قراءة عسكرية: الوصول إلى عدن ليس حتمياً
رغم المخاوف، استبعد الخبير العسكري اليمني علي الذهب أن تواصل الجماعة تقدمها وتصل إلى عدن، معتبراً أن اقترابها إلى نحو 100 كيلومتر من المدينة لا يعني أنها قادرة على إخضاعها أو السيطرة على المحافظات المجاورة.
وقال الذهب في حديثه للأناضول إن «التقدم الحوثي في مساحات كبيرة مؤخرا، خاصة في تعز، لا يعكس حقيقة قوة الحوثيين أو سهولة وإمكانية وصولهم إلى عدن»، وإنما يكشف خللاً تنظيمياً في إدارة القوات التابعة للحكومة الشرعية.
وأوضح أن توحيد القرار العسكري للقوات الحكومية، وإعادة النظر في قياداتها وآليات بنائها وإدارتها، من شأنه تعزيز موقف الحكومة والحد من اندفاع الحوثيين. وشدد على أن الوضع الميداني الحالي يختلف عن وضع عام 2015، حين تمددت الجماعة في محافظات يمنية عدة، منها عدن، قبل أن تفقد السيطرة عليها.
ورأى الذهب أن المكاسب التي حققها الحوثيون مؤخراً «مؤقتة»، وأن الاحتفاظ بها يواجه تحديات، أبرزها احتمال معالجة القوات الحكومية أوجه القصور في أدائها، إضافة إلى ضعف الحاضنة الشعبية للجماعة في المناطق التي تقدمت إليها، وفق تقديره.
وفي تفسير آخر لما يجري، لا يستبعد الذهب أن تكون بعض الفصائل والتيارات الموالية للحكومة تعمدت استدراج الحوثيين إلى مناطق بعيدة عن مركز تعز، بهدف تخفيف الضغط العسكري عن المدينة. وبحسب تقديره، فإن إتاحة المجال للجماعة للتقدم جنوباً ربما جعلتها تعتقد بإمكان تحقيق مزيد من المكاسب، لكنها ساعدت في الوقت نفسه على تخفيف الضغط عن القوات المدافعة عن تعز.
ويرى أن هذا التطور قد يعزز موقف القوات المناهضة للحوثيين في المدينة، ويجعل الجماعة أكثر عرضة للخسائر إذا حاولت استئناف هجماتها باتجاه مركز المحافظة. وتبقى هذه القراءة تقديراً عسكرياً للذهب، وسط صعوبة الجزم بما إذا كانت التحركات الحكومية الأخيرة نتيجة انسحابات فرضتها المعارك أم إعادة انتشار ضمن خطة أوسع.
خسائر إنسانية واختبار على الأرض
مع اتساع رقعة المواجهات، تتزايد الخسائر البشرية والعسكرية في جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى من المقاتلين والمدنيين خلال التصعيد الأخير. وتتفاوت الحصائل التي تعلنها الأطراف المتحاربة، في ظل صعوبة الوصول إلى بعض مناطق الاشتباك والتحقق المستقل من أعداد الضحايا وحجم الخسائر.
وتثير المعارك كذلك مخاوف من تدهور الأوضاع الإنسانية، خصوصاً في المناطق التي تمر بها طرق الإمداد والنقل بين المحافظات، وما قد ينجم عن تعطيلها من صعوبات في حركة السكان ووصول السلع والمساعدات.
وبين محاولات الحوثيين تثبيت مكاسبهم ومساعي القوات الحكومية لاستعادة المواقع التي خسرتها، تتحول المقاطرة إلى اختبار ميداني لقدرة الطرفين على تغيير موازين القوى في جنوب غربي اليمن. وفي حين يثير اقتراب المواجهات من عدن قلقاً على أمن العاصمة المؤقتة، يرى الذهب أن حسم المعركة لن يتوقف على المسافات التي تقطعها القوات المتقدمة، بل على قدرتها على الاحتفاظ بالأرض، ومدى نجاح القوات الحكومية في تجاوز اختلالاتها وتوحيد قرارها العسكري.




