عربي و عالمي

تونس تتجه نحو روسيا لسد العجز في الكهرباء: هل الطاقة النووية هي الحل؟

تونس تتجه نحو روسيا لسد العجز في الكهرباء: هل الطاقة النووية هي الحل؟

تسعى تونس إلى تعزيز شراكاتها مع روسيا في قطاع الطاقة، ولا سيما في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، في وقت تعاني فيه البلاد من فجوة متزايدة بين إنتاج الكهرباء والطلب المتصاعد، واعتماد كبير على المحروقات المستوردة.

ويرى خبيران أن هذه الشراكة المحتملة قد تحقق مصالح مشتركة للطرفين، لكنهما يحذران من اعتبارها حلاً سريعاً لأزمة الطاقة التونسية، نظراً للتكاليف المرتفعة والمتطلبات المعقدة لإنشاء المحطات النووية.

استعداد روسي للتفاوض

وعاد الاهتمام بهذا الملف إلى الواجهة بعد أن أعلنت روسيا في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي استعدادها للدخول في مفاوضات مع تونس حول مشاريع تعاون في مجال الطاقة، بما في ذلك الطاقة النووية للأغراض السلمية. وأوضح مكسيم أورشكين، نائب رئيس الإدارة الرئاسية الروسية لشؤون التعاون المالي والاقتصادي، أن بلاده منفتحة على المقترحات التونسية ومستعدة لمناقشة مختلف أوجه التعاون.

اقرأ أيضاً: مندوب فلسطين: 78 طفلًا يقتلوا يوميًا على أيد الاحتلال في قطاع غزة

وتواجه تونس فجوة متنامية بين قدرتها على إنتاج الكهرباء وحاجة السوق المحلية. وكشف وزير الصناعة والطاقة والمناجم صلاح الزواري، خلال جلسة استماع برلمانية الثلاثاء، أن القدرة الإنتاجية المتاحة تبلغ 4450 ميغاواط، بينما يصل الطلب الأقصى إلى 6 آلاف ميغاواط. وأرجع الزواري الاضطرابات التي شهدها التزويد بالكهرباء خلال الصيف الماضي إلى اتساع هذه الفجوة خلال أوقات الذروة.

خبراء: روسيا شريك استراتيجي محتمل

ويصف رئيس مركز دراسات العمل العربي المشترك الحبيب رابح روسيا بأنها “قوة طاقية كبرى في إنتاج النفط والغاز والطاقة النووية”، معتبراً أن التعاون معها قد يفتح لتونس باب الحصول على المواد الخام والمشتقات النفطية بأسعار تنافسية. ويشير رابح، في حديثه للأناضول، إلى أن هذه الشراكة تخدم الجانبين: إذ توفر لتونس مصادر إمداد إضافية، وتمنح موسكو أسواقاً جديدة لمنتجاتها، مما يعوض جزءاً من خسائرها الناجمة عن العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

ويستشهد رابح بالخبرة الروسية في تنفيذ مشاريع الطاقة النووية السلمية، مثل محطة الضبعة في مصر التي تضم أربعة مفاعلات بقدرة إجمالية 4800 ميغاواط، ومحطة نووية في تركيا، معتبراً أن هذه التجارب تؤهل موسكو لمساعدة تونس في تطوير قطاعها الطاقي. ويلفت إلى أن روسيا تسعى أيضاً إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية والسياسية في إفريقيا وشمالها، واستعادة حضورها في المنطقة، مما يجعل تونس شريكاً مهماً نظراً لموقعها الجغرافي وعلاقاتها مع الجزائر وليبيا.

اقرأ أيضاً: تونس ورومانيا تؤكدان التزامهما بتطوير التعاون والشراكة

اتفاقيات سابقة لم تنفذ

من جانبه، يوضح خبير البنى التحتية عبد الباسط السماري أن التعاون النووي بين تونس وروسيا ليس بالأمر الجديد، مشيراً إلى أن البلدين وقعا مذكرة تفاهم مع مؤسسة “روساتوم” الروسية في يونيو/حزيران 2015 حول الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وشملت المذكرة تطوير البنية التحتية النووية، والبحث العلمي، وتصميم المحطات والمفاعلات، والتطبيقات الطبية والزراعية والصناعية، وتكوين المختصين، وإدارة النفايات المشعة. وفي سبتمبر/أيلول 2016، وقع البلدان اتفاقية حكومية عززت إطار التعاون وأضافت مجالات مثل تحلية مياه البحر وتطوير المنشآت النووية.

غير أن السماري يلفت إلى أنه رغم مرور أكثر من عشر سنوات على الاتفاق الأول، لم تُنجز أي محطة نووية لإنتاج الكهرباء في تونس، ولم يُعلن عن برنامج استثماري ممول لتنفيذ المشروع. ويشير إلى أن روسيا تمتلك خبرة عملية واضحة من خلال مشروع محطة الضبعة في مصر، لكنه يحذر من أن الطاقة النووية لا يمكنها معالجة عجز الطاقة التونسي في المدى القريب، بسبب طول مراحل الدراسة والترخيص والبناء.

اقرأ أيضاً: النائب العام للدولة يبحث مع المدعي العام النيجيري سبل تعزيز التعاون القضائي

حل طويل الأمد بشروط

ويشدد السماري على أن إنشاء محطة نووية يتطلب بنية تحتية متخصصة، وإطاراً قانونياً ورقابياً مستقلاً، ودراسات جيولوجية وبيئية، وأنظمة للسلامة والطوارئ، وتمويلاً طويل الأجل. ويرى أن الأولوية يجب أن تكون لتقليص الاعتماد على المحروقات المستوردة، وخفض تكلفة إنتاج الكهرباء، وتحسين كفاءة الاستهلاك، إلى جانب تطوير مصادر الطاقة المتجددة.

وفيما يتعلق بالمصالح الروسية، يعتقد السماري أن موسكو تسعى، مثل القوى الاقتصادية الأخرى، إلى تحقيق مكاسب تجارية واستراتيجية من خلال بيع التكنولوجيا والمعدات، وعقود توريد الوقود والصيانة طويلة الأجل، وتوسيع استثماراتها وحضورها الدبلوماسي في إفريقيا والمتوسط. ويؤكد أن هذه المصالح لا تتعارض بالضرورة مع مصلحة تونس، شريطة أن يستند التعاون إلى عقود شفافة وتمويل مستدام، مع ضمان نقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات المحلية.

ويحذر السماري من الارتهان لمورد واحد، سواء كان روسياً أو أوروبياً أو غيرهما، ويختم بالقول إن التحدي الحقيقي أمام تونس لا يكمن في الاختيار بين روسيا وأوروبا، بل في توظيف مختلف الشراكات لبناء منظومة طاقية أكثر إنتاجاً واستقلالاً. ويؤكد أن السيادة الطاقية تتحقق بامتلاك القدرة الوطنية على إنتاج الطاقة والمعرفة والتحكم في القرار الاقتصادي.

المزيد في قسم عربي و عالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *