الرئيسيةعربي و عالميتحذير من انعدام الوعي في عصر...
عربي و عالمي

تحذير من انعدام الوعي في عصر التلاعب

09/06/2026 05:00

السطح الظاهر للمطابقة

يظهر معنى آخر، أشد قسوة في بساطته: الاستسلام التام للرضا الجماعي؛ فتبتسم للجميع حتى يختفي صدرك داخل تلك الابتسامة، وتضبط صوتك لتنسجم مع الضجيج ليس من اقتناع بل من خوف اللوم. في هذا العصر لم يعد نقص المعلومات هو المعضلة الوحيدة؛ بل بات الوضوح نفسه يُعامل كعار، والأسئلة الصادقة تُصنّف كتهديد. عندما يصبح إتقان الإرضاء أهم من دقة التفكير، يختفي الجوهر الذي يُختبر ويبقى فقط الواجهة التي تُعرض.

آليات السيطرة على الخطاب

يستمر المتحدثون من دول تدّعي الريادة في التكنولوجيا والقوة العسكرية والإعلام في الحديث عن معالجة «التضليل والمعلومات المضللة». لكن عند تفكيك المصطلح يظهر الهدف الحقيقي: ليس حماية الحقيقة بقدر ما هو تنظيم من يحق له الكلام؛ فكل رأي مخالف يُصنّف كخطر ويُعاقب قبل أن يُسمع، وكل اعتراض يُحوَّل إلى تهمة مسبقة. таким образом لا تقتصر المواجهة على الكذبة وحدها؛ بل تُستهدف الأذن التي قد تقبل الحقيقة، وعندما يُدار الرأي العام بهذا الأسلوب يتحول الإعلام من conduit للمعرفة إلى أداة لتوجيه التفكير.

ويُضيف هؤلاء mismos في خطابات تُشعر السامع أن الكون يميل إلى الانقسام، زاعمين وجود انقسامات متصاعدة داخل المجتمعات؛ لكنهم يتجاهلون أن جزءًا من هذا الانقسام ينبع من صحوة الناس وتمسكهم بحق الفهم. هنا يتغير المعنى: يُصبح وعي الشعوب «مشكلة» لا «تشخيصًا»، وعند زوال تعريف المشكلة الحقيقي يتحول العلاج إلى محاولة استعادة السيطرة قبل أن يتحول الوعي إلى مساءلة. فإذا كانت السلطة تخشى اليقظة، فهي لا تسعى لوحدة الناس بل لصمتهم.

الوهم التكنولوجي

ثم يرفعون راية «العصر الذكي»؛ يقدمون التكنولوجيا كعهد لا قيد، والمراقبة كخدمة، والأتمتة كمنقذ! لكن تحت هذا الغطاء الجميل تظهر فكرة قاسية: تحويل الإنسان إلى مجرد رقم، وتحويل الحرية إلى إجراء إداري، وتحويل القرار إلى تحليل موجه. بينما يزعمون أنهم يوفّرون فرصًا عظيمة لنهضة جديدة، يظل السؤال الذي لا يجوز تأجيله: نهضة لمن؟ وبأي أدوات؟ ومن يملك القدرة على إعادة رسم حدود ما هو ممكن؟

عندما تتكاثف هذه الإشارات يظهر خيط واحد يربطها جميعًا: تفتيت الوعي ثم إعادة تشكيله على مقاس السلطة. يُستعمل مصطلح «المخاطر» أحيانًا كستار لنزع الحقوق، ويُقدَّم «التقدم» كذريعة لتخفيف القيود، ويُحوَّل «الأمن» إلى أداة لتطبيع الخضوع. بهذا الشكل لا يكون التحول من القديم إلى الجديد مجرد تغيير تقني؛ بل يصبح استبدالًا أخلاقيًا: يصير الحق قابلاً للتعديل، والحقيقة قابلة للتصفية، والاختلافات قابلة للمصادرة باسم الاستقرار.

سبيل المقاومة

لكن الإنسان ليس مادة يمكن برمجتها من دون مقاومة داخلية؛ يذكرنا سانت‑إكزوبيري ببناء سفينة: لا نصنعها بتجميع الرجال وإصدار الأوضاع وتوزيع المهام، بل بتعليم الناس أن يشتاقوا إلى البحر الواسع. هذا الاشتياق ليس مجرد رومانسية؛ إنه شرط للكرامة، إذ إن العقل الذي يتوق للأفق لا يقبل أن يُختزل في نشرة ولا أن يُقَصَّر حياته في مؤشرات. إذا أرادت الدول التي تدّعي القيادة أن تجعل البشر أسرى لنظام عالمي بلا مساءلة، فإن تعليم الاشتياق يصبح أول عصيان هادئ.

ومن هنا يبرز قول يثير التفكير: إن كانت الحقيقة قد تُهلك مدّعيها، فلربما لأنها تحرج من يعيش على تزيين الوهم؛ ويُقال أيضًا إن الحقيقة تُطلق من قبل من يرغب في الرحيل، وأن توجيه التهمة بالخطر قد يكون إشارة إلى أن العيب ليس في الكلام بل في العقول التي ترفض الفهم. بذلك نفهم أن التصنيف ليس دائمًا حوارًا؛ أحيانًا يكون محكمة صامتة تُدين الحقيقة قبل أن تُعرض، وتكمم السؤال قبل أن يتكامل.

ثم يوجد ميزان نحتاجه لتجنب اليأس: نعم، الغالبية من الناس طيبة. أغلبهم لا يسعون لتدمير العالم، لكنهم قد يُغرَون بالإغراء أو يُخدَّرون بالخوف؛ أي إن المشكلة ليست في goodness of humans بحد ذاتها، بل في القلة التي تعرف كيف تحول القوة إلى آلة، وكيف تستغل الإعلام لتقليل القدرة على التمييز؛ في النهاية، الخطر ليس في كراهية الآخر بقدر ما هو في ضعف البصيرة عندما تتواطأ الواجهة مع التوجس.

وقد يظن أحد أنه قادر على رؤية الإبرة في البحر، لكنه يغفل عن رؤية الأسد في العين؛ أي أننا قد نتابع التفاصيل الخارجية—خبرًا، صورة، لقطة—ونهمل الخلل الجوهري الذي يكمن في طريقة اتخاذ القرار! هذه مأساة العصر الذي تُدار فيه الأحداث: نعطي الناس ضجيجًا بدلًا من بوصلة، مما يسمح لهم بالظهور بمظهر المتيقظين بينما يحرمهم من القدرة على إجراء تشخيصات عميقة؛ وعندما تغيب هذه القدرة، يصبح من السهل إسناد القبح إلى الآخرين، ويزين القبح الذي يأتي من المصادر الرئيسية.

وإذا كانت الشاشات تروج كل شيء تقريبًا، فليست المعلومة هي المشكلة دائمًا؛ المشكلة ما لا يذاع؛ فحين يستبعد الكلام من التداول العام—لا لأنه غير صحيح فقط، بل لأنه غير مريح—يظهر «ستار» يلمع بقدر ما يخفي، وهكذا لا تصنع الرواية من الحقيقة وحدها؛ تصنع أيضًا من غياب الحقائق! ومن هنا تأتي قاعدة نفسية بسيطة وعظيمة: لا يستطيع أحد أن يجعلك تشعر بالنقص دون إذن منك؛ لذلك، حتى حينما تحاصر الدول التي تملك القوة والإعلام منطق الشعوب، يبقى في داخل كل فرد خيار: إما أن نمنح إذنًا، أو نرفضه.

قد يكون هذا كله مرهقًا، لأن مواجهة التأثير العالمي ليست سهولة الشعار، لكنها أيضًا ليست مستحيلة؛ فحين نصر على الوضوح، نضعف وظيفة الدعاية، ونبقي الحقيقة في موضع الاختبار لا في موضع التلقين، وحين ندافع عن حق السؤال، نمنح المجتمعات فرصة أن تتعلم من نفسها لا أن تقاد باسمها.

لا أطلب من القارئ أن يكره أحدًا، بل أن يستيقظ وعيه؛ لا أريد أن تكونوا أدوات في لعبة «قادة» يشرحون العالم ثم يفرضون عليه الصمت، بل أريدكم أن تحافظوا على إنسانيتكم حين تستدعى الإنسانية لتبرير السيطرة! فالسلاسل قد تصاغ من لغة جميلة ومن خطة تبدو تقنية، لكنها في النهاية تقيد الرؤية وتقصي الحرية! فاسألوا دائمًا: من يعرف الخطر؟ ومن يحدد الحقيقة؟ ومن يكتب قواعد النجاة؟ فإن كنتم لا تمنحون الإذن، فلن تصنع السلاسل من تلقاء نفسها؛ سيضطر الظل إلى الاعتراف أنه بلا شرعية، وبلا مستقبل إلا إذا وجد عيونًا تعمى عن الأسد داخل العين!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *