الأميركيون يتصدرون قائمة السياح في أوروبا بـ24 مليون رحلة وإنفاق قياسي

في غضون جيل واحد، تغيرت صورة المواطن الأميركي جذرياً؛ فمن أمة كانت تفضل قضاء عطلاتها داخل حدودها، أصبحت اليوم من أكثر شعوب العالم حماسة للسفر وبذخاً في الإنفاق عليه. وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، حقق الأميركيون رقماً قياسياً بلغ 24 مليون رحلة إلى أوروبا خلال عام 2025، متوغلين في أزقة القارة وقراها الأقل شهرة بعد أن ضاقت بهم معالمها الرئيسية.
تحول في أنماط السفر
يتجلى هذا التحول في أرقام الوجهات الصاعدة؛ إذ استقبلت البرتغال العام الماضي نحو خمسة أضعاف ما كانت تستقبله من الزوار الأميركيين قبل عقد من الزمن، بينما تضاعف عددهم في اليونان أربع مرات. وتتوقع شركة «توريزم إيكونوميكس» أن ترتفع الزيارات الأميركية إلى القارة بنسبة 5% إضافية بحلول نهاية العام الجاري (2026).
ثروة متراكمة وتغيرات
يقف خلف هذه الموجة اقتصاد أميركي متضخم أنتج طبقة أوسع وأكثر ثراءً، باتت تنظر إلى السفر باعتباره ضرورة وليس رفاهية. يقود هذا الزخم كبار السن تحديداً، الذين تقدر ثرواتهم بنحو 110 تريليونات دولار، ويعيشون أعماراً أطول تدفعهم إلى اغتنام سنواتهم المتبقية. يقول آل لينزا، السبعيني شبه المتقاعد الذي يقدر أنه خاض نحو 500 رحلة في خمسين عاماً وينفق مع زوجته بين 100 و200 ألف دولار سنوياً على السفر: «لديك وقت أكثر ومال أكثر.. والوقت ينفد». توازى صعود الثروة مع انفتاح واسع في صناعة السفر نفسها. ففي عام 1990 لم يكن يحمل جواز سفر سوى أقل من 5% من الأميركيين، أما اليوم فتجاوزت النسبة 50%، مدفوعة باشتراطات فرضت حمل الجواز للتنقل إلى كندا والمكسيك ومنطقة الكاريبي، وبطفرة سفر أعقبت الجائحة. وقد أصدرت الولايات المتحدة رقماً قياسياً بلغ 27 مليون جواز في السنة المالية 2025. ومع اتفاقيات «الأجواء المفتوحة» التي حررت المنافسة على الخطوط الدولية منذ التسعينيات، تراجعت أسعار التذاكر وتكاثرت الرحلات، وإن ظل سعر التذكرة الاقتصادية إلى أوروبا في صعود، إذ ارتفع 56% خلال عقد ليبلغ متوسطه نحو 588 دولاراً للاتجاه الواحد هذا العام.
إنفاق بلا تردد
يتميز الأميركيون بأنهم ينفقون على الرحلة الواحدة أكثر من نظرائهم الأوروبيين، ويشكلون وحدهم نحو 15% من مبيعات الرفاهية في أوروبا، مستفيدين من قوة الدولار. أعلنت خدمة «أميركان إكسبريس ترافل» أن حجوزات السفر عبر منصتها ارتفعت 22% في العام الأخير. أما ملامح هذا السائح فتميل إلى النساء فوق سن الخامسة والخمسين اللواتي يشكلن نحو ربع الزوار، فيما يفيد أكثر من 15% منهم بأن دخل أسرته يبلغ 300 ألف دولار أو أكثر. يتضح الفارق في الإنفاق اليومي؛ فالأميركي في إسبانيا أنفق العام الماضي نحو 350 دولاراً يومياً، مقابل قرابة 200 دولار للألماني و150 للفرنسي. وفي اليونان، أقام الأميركيون تسع ليالٍ في المتوسط مقابل سبع للبريطانيين. يلخص بانوس بانيس، مدير شركة رحلات بحرية في جزيرة كريت، الأمر بقوله: «إنهم يأتون للإنفاق.. لا يكتفون بشراء المثلجات والجلوس على الشاطئ سبع ساعات». ولم يعد الشغف حكراً على جيل «البيبي بومرز»؛ فالأجيال الأصغر التي تقدم التجارب على التملك تنفق على السفر بدل شراء المنازل. تقول تيسا كويل (24 عاماً) التي تركت وظيفتها في المصرفية الاستثمارية بنيويورك إلى أخرى في قطاع التقنية كي تتيح لنفسها وقتاً أكبر للترحال، إنها قضت في يونيو رحلة إلى اليونان استمرت عشرة أيام وكلفتها نحو 3 آلاف دولار، مستعينة بأداة «كلود» من شركة «أنثروبيك» في اقتراح الوجهات. وتضيف عن حلمها بزيارة قيرغيزستان والإقامة في خيمة تقليدية بعد صور رأتها على «إنستغرام»: «أتوق إلى الذهاب.. إنها تجربة فريدة».
نعمة ونقمة
هذا الرواج يحمل وجهاً آخر أقل إشراقاً بالنسبة للسكان المحليين. فالتدفق الكثيف ينعش اقتصادات المدن، ويرهق في الوقت ذاته بنيتها التحتية ويرفع كلفة المعيشة، مع تحول شقق سكنية إلى إيجارات سياحية قصيرة الأجل باهظة. خرج عشرات الآلاف الشهر الماضي في جزيرة مايوركا الإسبانية للاحتجاج على «السياحة المفرطة»، مطالبين بعدد أقل من الزوار وسكن أيسر كلفة، قبل أن تتحول المسيرة إلى اشتباكات أطلقت خلالها الشرطة رصاصاً مطاطياً. وفي برشلونة التي استقبلت العام الماضي تسعة أضعاف عدد سكانها من السياح، لجأ محتجون إلى رش الزوار بالماء. بدأت حكومات عبر القارة تفرض قيوداً على السياحة، من ضبط منصات الإيجار قصير الأجل إلى فرض ضرائب على الزوار وتقييد أعداد سفن الرحلات وبناء الفنادق الجديدة. غير أن المعادلة تظل محرجة؛ فاجتذاب الأميركيين يبقى أولوية لكثير من الأعمال، ما داموا ينفقون أكثر ويقيمون أطول ويتركون إكراميات أسخى.



