الرئيسيةعربي و عالميسلمان الفارسي وتأملاته في بناء الإسلام...
عربي و عالمي

سلمان الفارسي وتأملاته في بناء الإسلام بعد وفاته

11/06/2026 13:06

لم يُعرف عن سلمان الفارسي أنه كان يتصف بالنفاق، غير أنه عندما كان يُعَدّ كقربان للنار المقدسة في أصفهان، ولم يجد فيها مخرجًا، انتقل إلى بلاد الروم حيث التقى برهبٍ من عمورية. سأل الراهب عن الدين الذي يتبعه العرب وعن مساجدهم، فأجاب: إنهم يخلّقون الأرض مسجداً ولا يبنون صروحاً ثابتة، وتُنزل أوامر الله وهو مستلقٍ على حصير بيته. أعرب سلمان عن استغرابه وسأل إن كان هناك ديانة تشبه ذلك، ثم استنتج أن الراهب لا يدرك ما يتحدث به.

الرحلة إلى الحجاز ومقابلة النبي

عندما أُجبر على السفر إلى الحجاز، سعى سلمان لرؤية نبي العرب. وما إن رأى النبي، حتى أُعجب بدينه الخالي من الكهنوت والبناء الضخم. ومع ذلك، رأى عينه الساسانية في تصرفات الصحابة طابعًا من الانضباط الجماعي، ففسَّر ذلك على أنه تمهيد لتكوين جماعة خاصة تُعيد بناء الدين على أسس صلبة تشبه صروح الديانات الأخرى.

تأملات سلمان الفارسي في مستقبل الإسلام

منذ ذلك الحين، ظل سلمان يكتب تأملاته حول الإسلام من منظور فارسي، متسائلاً: “كيف سيبدو الإسلام بعد رحيل النبي؟”. أولى أفكاره ركّزت على أن الفرس، إذا اعتنقوا الدين، سيؤمنون بضرورة إنشاء جماعة مخصصة تقود المجتمع بعد وفاة النبي لضمان استمراريته بنمو صحي. فاستنتج أن الإسلام سيُشكَّل وفق هذا النموذج الفارسي.

لكن ملاحظته لتصرفات العرب أظهرت أن لديهم ميلًا لتجنب الهياكل الصارمة، فبنى العرب بيوتهم ومساجدهم من طين وجذوع النخيل، ما يرمز إلى مرونة لا تنقش على حجر. ورأى في ذلك فضاءً مفتوحًا يتيح للرجال أن ينهضوا في أوقات الشدّة، متناغمين مع الدينامية التي تخرج القادة من الجزيرة كالماء من الأرض.

مفهوم “القلب الكوني” والجماعة المخصوصة

استخدم سلمان مفهوم “القلب الكوني” المستمد من الفلسفة الفارسية، معبرًا عن اعتقاده بأن النور الذي يأتي مع الدين يطيح بالظلمة، ومقتبسًا قوله: “لا يمكن لدين أن يكون مجرد استمرارية لما سبق، بل يجب أن يكون تحويلًا جذريًا يتطلب جماعة مخصصة تحافظ على النهج النبوي”.

ظل هذا الإيمان بوجود جماعة مخصصة يطغى على تفكيره حتى بعد أن أدرك أن النبي لم يجهز مثل هذه الهيئة قبل وفاته. استشهد بحديث النبي في الحج: “لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، مستنتجًا أن الموت لم يكن مفاجئًا للنبي، فالسؤال يبقى: لماذا لم يضع جماعة تقود الدين بعده لتفادي الخلافات التي نشأت؟

الطرق الثلاثة لإدارة مستقبل الدين وفق النصوص

رجع سلمان إلى كتاب “شابورقان” للكاتب ماني، حيث صوّر الأنبياء ثلاثة مسارات لتدبير مستقبل الرسالة. الأول: ترك المستقبل لتقلبات الطبيعة البشرية، وهو مسار لا يناسب نبي يدرك أن الوحي نور ثابت ولا يمكن تركه لتقليب الأيام دون حراس. الثاني: إرساء نظام شوري يضع مستقبل الدين في يد الجمع، لكنه رأى أن الجمع لا يضمن وحدة الرأي ولا يحصنه من الفتن. الثالث: اختيار تلميذ واحد لتسليم السر الروحي والقيادي، ما يخلق أمة تتبعه.

استبعد سلمان المسار الأول مباشرةً، وذكر أن المسار الثاني يذكره بالآية التي تدعو إلى الشورى، لكنه رأى أن النبي لم يضع بنية شورية واضحة. حينها انجذب إلى المسار الثالث، مستذكراً كيف أسند ماني ولاية عهده لتلميذه مار سيسين، معتمدًا على هيكل روحي مكوّن من اثني عشر معلماً ينقلون السر لأتباعهم.

اعتبر سلمان أن هذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ الإسلام، غير أنه غفل أن النبي سلك مسارًا رابعًا لا يتماشى مع الفلسفة الفارسية، مسارًا يضع في الاعتبار الفطرة والسلوك المتدرج بدلاً من الهياكل الجماعية. حسب هذا الفهم، يصبح السلوك العربي – بأبهى صوره المثالية – دينًا بحد ذاته يجمع الناس حوله ويقودهم إلى النصر.

وفي ختام تأملاته، اقتبس قولًا للنبي: “يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر”، مشيرًا إلى أن العرب يدركون الضمانة التي تمثل القيم العليا للمجتمع.

التفتة ختامية

يُروى أن أعرابيًا قال لفارسي: “يا سلمان، العرب لا تعرف دندنتك ولا دندنة بني ساسان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *