الرئيسيةكتاب و آراءفي زمن الميكافيلية: تحليل للانتهازية والخداع...
كتاب و آراء

في زمن الميكافيلية: تحليل للانتهازية والخداع في العلاقات والمؤسسات

27/07/2026 01:00

طبيعة الشخص المتلون

لم تعد الصعوبة تكمن في من يعبر عن رأي مخالف أو في خصم يعلن موقفه صراحة؛ فهؤلاء يمكن التعامل معهم وتحديد حدود العلاقة معهم.

الصعوبة الحقيقية تكمن في الفرد الذي لا يمتلك وجهة ثابتة ولا يدًا واحدة؛ نراه يشبه الأخطبوط يمتد يدًا للسلام، وأخرى للهجوم، وثالثة للمدح، ورابعة لقياس اتجاه الرياح.

هذا النمط لا يقيم العلاقات على الصدق بل على المصالح؛ لا يصادقك لحبّه لك ولا يقربك لثقةٍ فيه، بل لأنه يرى فيك منفعةً آنيةً أو جسرًا عابرًا أو ورقة قد يحتاجها مستقبلاً.

عند تغير المصلحة يتغير الوجه، وعند تحول الاتجاه يتغير الخطاب، وإذا شعر أن الرياح تأتي من جهة أخرى يسبق إلى هناك قبل أن يُعدّ لك أو معك.

المبادئ كأدوات قابلة للإعارة

في عصر الميكافيلية، لا تُعامل المبادئ كقيم ثابتة بل كأدوات يمكن استعارتها حسب الحاجة.

يذكر الوفاء عندما يحتاج إلى دعمك، والقانون عندما يخدمه، والأخلاق عندما يهدف إلى إحراج خصمه، ثم يتنصل من كل ذلك حالما يرى أن المصلحة تتجه إلى اتجاه آخر.

لذا لا يكمن خطر هذا النمط في ذكائه، بل في موهبته لتظهر الخيانة كحكمة والانتهازية كمرونة.

بناء الوعي والتمييز بين الحكيم والمتلون

الحل ليس بالصدام المستمر ولا بسوء النية تجاه الجميع، بل بتنمية الوعي الذي يميز بين الحكيم والمتلون؛ فقد يختلف الحكيم معك لكنه لا يبيعك، وقد يلين دون التخلي عن جذوره، بينما يقدم المتلون أقوالًا أكثر من مواقفه.

لذا فإن العلاقات والمؤسسات تحتاج إلى ذاكرة لا تخدعها الكلمات اللطيفة، وإلى مواقف موثقة لا تنبني على انطباعات عابرة، وإلى ثقافة لا تُكافئ من يرضي السطح بينما يهدد الثقة الداخلية؛ فالأخطر أن نرفع الانتهازي بدعوى أنه «يجيد التعامل»، ثم نلوم الصادق لجهله باللعب.

قد يحقق الإنسان المشابه للأخطبوط نجاحًا مؤقتًا ويظن الناس أنه الأذكى، لكنه يغفل أن تعدد الأيدي لا يعوض فقدان الوجه الموحد، وأن من عاش بلا مبدأ قد يربح انتصارات صغيرة لكنه يفقد احترامًا كبيرًا.

لرؤية مقالات الكاتب السابقة، انقر على اسمه.

مسؤولية محتوى مقالات الرأي تقع على الكاتب فقط، ولا تتحمل الصحيفة أي مسؤولية عن الآراء الواردة فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *