وجبة الغداء تكشف ما تخفيه التقارير الإدارية

الغداء كوسيلة للتواصل المباشر
في بيئة يفضل فيها كثير من الرؤساء التنفيذيين العمل من مكاتب منفصلة وفاخرة، يختار بعض قادة الشركات الكبيرة اتباع نهج مختلف يتمثل في تناول الغداء مع الموظفين والاستماع إليهم مباشرة بعيداً عن الاجتماعات الرسمية والتقارير الدورية. ويتبنى هوارد هوخهاوزر، الرئيس التنفيذي لشركة أنسيستري المتخصصة في خدمات الأنساب والتاريخ العائلي، هذا الأسلوب الذي اكتسبه خلال فترة عمله في بنك الاستثمار الأمريكي بير ستيرنز في أواخر تسعينات القرن الماضي، حين لاحظ أن آيس غرينبرغ، الرئيس التنفيذي للبنك آنذاك ومؤسسه، كان يحرص على تناول الطعام مع الموظفين يومياً. وفي مقابلة مع مجلة “فورتشن” أوضح هوخهاوزر أن هذا السلوك ترك أثراً واضحاً لديه، موضحاً أن جلوس المدير بين العاملين يرسل رسالة بأنه متاح للحوار ويمكن للموظفين التحدث إليه بحرية بدلاً من أن يبدو معزولاً خلف أبواب المكاتب المغلقة. وأضاف أن الحصول على معلومات صريحة وغير محررة يشكل تحدياً يواجهه كثير من الرؤساء التنفيذيين، إذ قد تحيط بهم بيئة تعزلهم تدريجياً عن الواقع الفعلي داخل مؤسساتهم، وأن تناول الغداء بصورة عفوية يساعد على كسر هذه العزلة ويتيح التعرف إلى آراء الموظفين الحقيقية ومخاوفهم.
تجارب قيادية عالمية
ولا يقتصر هذا النهج على هوخهاوزر فقط؛ فعديد من قادة الشركات والمؤسسات الدولية يلجأون إلى اللقاءات غير الرسمية والوجبات المشتركة لتعزيز التواصل الداخلي، خاصة خلال فترات التحولات التنظيمية الصعبة. ففي بنك “إيه بي إن أمرو” الهولندي، الذي تبلغ قيمته نحو 36 مليار دولار، عقدت الرئيسة التنفيذية مارغريت بيرار لقاءات غداء أسبوعية مع مجموعات صغيرة من الموظفين في إطار خطتها لإعادة الهيكلة التي تستهدف الاستغناء عن نحو 5200 وظيفة خلال الفترة من 2024 إلى 2028. وتأتي هذه الخطوة amid التحديات التي واجهها البنك منذ الأزمة المالية العالمية وتسجيل صافي أرباح في الربع الرابع من عام 2025 دون توقعات السوق، وتهدف اللقاءات إلى الاستماع إلى وجهات نظر الموظفين حول مستقبل المؤسسة والتغيرات التي تمر بها. وقالت بيرار، بحسب ما نقلته صحيفة “فاينانشال تايمز”، إن بناء التوافق وتشكيل التحالفات يمثلان عنصرين مهمين في بيئة الأعمال الهولندية، مشيرة إلى أن تحقيق ذلك ليس أمراً تتقنه جميع الثقافات الإدارية بالقدر نفسه. وفي شركة “أبل”، اعتاد الرئيس التنفيذي السابق تيم كوك أيضاً تناول الغداء مع موظفين يلتقيهم بصورة عشوائية في مطعم الشركة، بدلاً من الاقتصار على الاجتماعات مع كبار المسؤولين، في نهج يختلف عن أسلوب سلفه الراحل ستيف جوبز الذي كان يتناول الطعام غالباً مع المسؤول التنفيذي عن التصميم جوناثان آيف. أما شركة “دولينغو” المتخصصة في تطبيقات تعلم اللغات، فتجعل وجبات الغداء الجماعية جزءاً من ثقافتها المؤسسية. وقال سيفيرين هاكر، المدير التقني والشريك المؤسس للشركة، إن هذه اللقاءات اليومية التي يشارك فيها الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لويس فون آن تمثل عنصراً أساسياً في ثقافة العمل، ويرى أن التواصل المباشر مع الموظفين قد يكون أكثر فاعلية من استطلاعات قياس الاندماج الوظيفي لأن اللقاءات العفوية تمنح العاملين مساحة أكبر للحديث بصراحة عن أوضاع الشركة. وكتب في منشور على “لينكدإن” أن وجبات الغداء تتيح لأشخاص من فرق مختلفة، بمن فيهم الموظفون الجدد، فرصة التحدث والتعارف بعيداً عن قيود العمل اليومية.
الغداء يكشف ردود الفعل ويكسر الحواجز
ويتبع كريس توماسو، الرئيس التنفيذي لسلسلة مطاعم “فيرست ووتش”، نهجاً مشابهاً، حيث يحرص على تناول الغداء مع العاملين في غرفة الاستراحة ويخصص وقتاً شهرياً لكتابة رسائل تهنئة إلى الطهاة والعاملين في غسل الأطباق الذين يحققون إنجازات مهنية داخل الشركة، التي تتجاوز إيراداتها السنوية مليار دولار. وقال توماسو لمجلة “فورتشن” إنه يحاول تقليل الحواجز المرتبطة بمنصبه التنفيذي عند التعامل مع الموظفين، مشيراً إلى أن جلوسه معهم وتناوله الطعام الذي يحضره بنفسه يفاجئ الموظفين الجدد أحياناً. وأضاف أن هذا الاستغراب يعكس، في رأيه، وجود تصور غير ضروري للمسافة التي ينبغي أن تفصل الرئيس التنفيذي عن بقية العاملين. وتكشف هذه التجارب عن أهمية التواصل المباشر بوصفه أداة إدارية تتجاوز المجاملات وبناء العلاقات الشخصية؛ فمَائدة الغداء قد تتحول إلى مساحة لاكتشاف المشكلات مبكراً واختبار ردود الفعل تجاه القرارات وتعزيز الثقة بين الإدارة والموظفين. وفي مؤسسات تتعدد فيها المستويات الإدارية وتزداد فيها المسافة بين صانعي القرار والعاملين، قد تكون محادثة عفوية خلال وجبة الغداء وسيلة فعّالة لفهم ما لا تكشفه التقارير الرسمية والوصول إلى صورة أكثر واقعية عمّا يجري داخل الشركة.




