الرئيسيةعربي و عالميخطأ تسويقي في كوريا يُفضي إلى...
عربي و عالمي

خطأ تسويقي في كوريا يُفضي إلى أزمات قانونية وسياسية وشهية لشركة ستاربكس

15/06/2026 15:01

أطلقت شركة “ستاربكس كوريا” حملة إعلانية تهدف إلى الترويج لسلسلة جديدة من الأكواب الحرارية، إلا أن ما ارتُبِط مع تاريخ حساس في الذاكرة الوطنية حول 18 مايو تحول إلى واحدة من أعنف الأزمات الدعائية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.

بداية الأزمة وتزامنها مع ذكرى 5/18

في الثامن عشر من شهر مايو، أطلقت الشركة ما أطلقت عليه “سلسلة الدبابة” أو “Tank Series”، مُعلمةً حجم الأكواب الكبيرة التي تناسب المشروبات الضخمة. رافق ذلك تسمية اليوم الأول من الحملة “يوم الدبابة” (Tank Day). جاء هذا الاختيار في وقت يتزامن مع ذكرى انتفاضة غوانغجو الديمقراطية عام 1980، وهو تاريخ يحمل في طياته جروحاً عميقة للعديد من الكوريين الجنوبيين.

الرموز المتقلبة وردود الفعل الجماهيرية

يُعرف 18 مايو في كوريا الجنوبية باسم “5/18″، إحياءً لذكريات انتفاضة غوانغجو التي اندلعت احتجاجاً على الحكم العسكري آنذاك، وأسفرت عن مقتل مئات المتظاهرين وفقاً لتقارير المنظمات الحقوقية. شعر كثير من المواطنين أن توظيف كلمة “الدبابة” في حملة تجارية في هذا اليوم يُعد إهانة صريحة للضحايا وتجاهلاً لآلامهم.

زاد الغضب عندما احتوت إحدى الشعارات المستخدمة في الحملة على عبارة تُترجم إلى “اضرب الطاولة بقوة”، وهو ما استدعى ذكريات مقتل الناشط الديمقراطي بارك جونغ-تشول في عام 1987، حيث استُخدمت هذه العبارة لتبرير وفاته خلال التعذيب. هذه الإشارة أعادت إلى الأذهان رواية قمعية سابقة، ما عمّق الشعور بالاستنكار.

إجراءات عاجلة وإقالة المسؤولين

مع تصاعد الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، ألغت “ستاربكس كوريا” الحملة خلال ساعات قليلة من إطلاقها. وفي ذات اليوم، تم إقالة الرئيس التنفيذي سون جونغ-هيون كإجراء سريع لاحتواء الغضب المتصاعد.

لم يقتصر الاحتجاج على السوشيال ميديا؛ فقد انتشر مشهد تحطيم الأكواب بالمطارق والفؤوس، وحذف المستخدمون لتطبيقات الولاء وسحب أرصدتهم من بطاقات الدفع المسبق. كما شهدت مدن عدة احتجاجات أمام فروع الشركة، فيما علق المتجر إشعارات اعتذار على واجهات المحلات.

قبل مغادرته، أصدر سون بياناً اعتذر فيه عن الحملة وتعهد بإطلاق برامج تدريب داخلية لتعزيز الوعي التاريخي والأخلاقي لدى العاملين في أقسام التسويق.

دور الذكاء الاصطناعي وتفاصيل التحقيق الداخلي

كشفت مجموعة “شينسيغيه” المالكة للفرع الكوري أن فريق التسويق استعان بأداة ذكاء اصطناعي لتوليد اقتراحات للشعارات الإعلانية. أظهر التحقيق الداخلي أن بعض المديرين الذين صادقوا على الحملة لم يطلعوا على المستندات الإلكترونية التي احتوت المواد الإعلانية كاملة قبل اعتمادها.

أكدت المجموعة أن التحقيق لم يُظهر أي دليل على وجود نية متعمدة لإساءة ذكرى الضحايا أو السخرية من الحدث التاريخي.

اعتذارات متتابعة من القادة والشركة الأم

في اليوم التالي لإطلاق الحملة، أصدر تشونغ يونغ-جين، رئيس مجموعة “شينسيغيه”، اعتذاراً خطياً للجمهور. ومع ذلك، لم يهدئ هذا من حدة الغضب، فأجرى تشونغ مؤتمرًا تلفزيونيًا في السادس والعشرين من مايو، حيث انحنى ثلاث مرات أمام الكاميرات تعبيرًا عن أسفه.

قال في المؤتمر: “أتعامل بجدية بالآلام والغضب العميقين الذين شعر بهم الناس نتيجة الحملة غير الملائمة التي أطلقتها ستاربكس كوريا”.

رفضت عائلات الضحايا والمنظمات المعنية إقرار الاعتذار، معتبرة أن ما قُدم لا يوازي حجم الإساءة.

تحقيقات جنائية ومطالبات قانونية

تقدمت شقيقة الناشط المتوفى بارك جونغ-تشول بشكوى رسمية إلى الشرطة، مطالبة بمحاسبة رئيس مجموعة “شينسيغيه” والرئيس التنفيذي السابق بتهمة الإساءة إلى ذكرى الضحايا. أدرجت الشرطة كلاً من تشونغ وسون كمشتبه بهما وأطلقت تحقيقاً جنائياً في القضية.

تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة

تُعد كوريا الجنوبية ثالث أكبر سوق لستاربكس عالمياً، حيث يضم الفرع المحلي أكثر من 2100 موقع. انعكست الأزمة سريعًا على مؤشرات المبيعات؛ فقد انخفضت المدفوعات عبر البطاقات في متاجر الشركة بنسبة 26% خلال أسبوع واحد، وتراجع إجمالي الإنفاق في مايو بنسبة 10% مقارنة بالشهر السابق.

طالب آلاف الزبائن باسترداد أرصدتهم المخزنة في بطاقات الدفع المسبق، التي تُقدّر قيمتها بحوالي 400 مليار وون كوري (ما يعادل 260 مليون دولار). كما اضطر الممثل المسرحي جونغ مين-تشان إلى الانسحاب من عرض فني بعد تلقيه انتقادات شديدة نتيجة ظهوره في أحد فروع ستاربكس.

امتدت تداعيات الأزمة إلى الساحة السياسية؛ أوقفت بعض الجهات الحكومية شراء بطاقات الهدايا الخاصة بالشركة، وأعقت وزارة الدفاع تعاونها السابق مع ستاربكس. دعا زعيم الحزب الديمقراطي جونغ تشونغ-راي رئيس مجموعة “شينسيغيه” إلى تقديم اعتذار شامل أمام الشعب.

وصلت القضية إلى مكتب الرئيس لي جاي-ميونغ، الذي وصف المسؤولين عن الحملة بـ “باعة متجولين من مستوى متدنٍ”، وأشار إلى إمكانية إغلاق موقع “إلبي” اليميني الذي يروج لسرديات تاريخية متحيزة.

رد الشركة الأم وتعزيز الضوابط الداخلية

من جانبها، أعربت شركة Starbucks Corporation في سياتل عن أسفها العميق للوقائع، مؤكدة أن ما حدث لم يكن مقصوداً. صرحت الشركة في بيان رسمي: “نحن ندرك الألم والإساءة التي لحقت بالضحايا وعائلاتهم، ونؤكد أننا سنعيد تقييم معايير التدقيق الداخلي وبرامج التدريب لضمان عدم تكرار مثل هذه الأخطاء”.

تحليل أعمق للصدمة الوطنية

أشار البروفيسور تشو يونغ-هو من جامعة سوغانغ إلى أن رد الفعل الجماهيري لا يُعزى فقط إلى فشل دعائي، بل إلى حساسية تاريخية عميقة. وأوضح أن ذكرى انتفاضة غوانغجو لا تزال تشكل إحدى أكثر القضايا انقساماً في المجتمع الكوري الجنوبي، وأن أي محاولة لتجسيد أو تقليل أهمية تلك الأحداث تُعد غير مقبولة على الإطلاق.

وتوقع أن يستمر الجدل لفترة طويلة، مستنداً إلى صراعات أوسع تتعلق بالذاكرة الوطنية والعدالة التاريخية والهوية الديمقراطية للبلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *