الرئيسيةعربي و عالميتحليل مفهوم الهابيتوس الصحوي وتداعياته على...
عربي و عالمي

تحليل مفهوم الهابيتوس الصحوي وتداعياته على السلوك الاجتماعي والثقافي

21/05/2026 13:00

يُعرَّف الهابيتوس (habitus) بأنه نمط تلقائي غير واعٍ في الفهم والذوق وردود الفعل، ينشأ من بارادايم أو إطار فكري يبدأ مع النشأة ويُشكِّل النظرة إلى الحياة والمجتمع والموقف منهما. يُقصد بالبارادايم منظومة مفاهيم مترابطة أيديولوجياً، ولا يُشترط أن تكون متماسكة علمياً أو دينياً.

العلاقة بين البارادايم والهابيتوس

يعيش المجتمع تحت تأثير البارادايم لسنوات طويلة، فتتحول مفاهيمه إلى هياكل وجدانية وسلوكية تُصبح سائدة في اللاوعي وتنعكس على الوعي. وقد يتغيّر البارادايم مع مرور الوقت – كما حدث في مسألة قيادة المرأة للسيارة – إلا أن الهابيتوس المتجذر في الوجدان حول ما هو مسموح وما هو محظور لا يختفي فوراً، بل يظل ساريًا لسنوات أو عقود، ويُظهر ضغوطًا قهرية على من يخالفه.

أمثلة توضيحية من الواقع اليومي

مثلاً، إذا أقام شخص في فندق فخم واكتشف أن الغرفة تحتوي لوحة فنية أنيقة تُظهر صورًا لذات الروح، قد يشعر بانزعاج غير مبرَّر ويطالب الإدارة بتغيير الغرفة أو إزاحة اللوحة. إذا لم تُدرك إدارة الفندق البارادايم الذي يعيش فيه الضيف، قد تُقابل طلبه بعبارات مثل: «إنها مطبوعات كانفس لأعمال عالمية»، مما يفضح صراع الهابيتوس الصحوي مع الفنون.

قد يحاول الضيف تبرير موقفه بعبارة «الضرورات تبيح المحظورات»، لكنه يظل يرفض الصورة المعلقة. في رحلاته اللاحقة قد يلجأ إلى إزاحة اللوحة وإخفائها داخل دولاب أو تحت السرير لتجنب الإحراج دون إحداث نزاع علني.

تجليات الهابيتوس في المواقف الدينية والثقافية

يتجلى البارادايم والهابيتوس أيضاً في اختلاف الآراء حول أغاني أم كلثوم بين فقيه أزهري مصري وآخر من بيئة مختلفة، وكذلك في ما تطرحه المدارس الفقهية عن الإمام الشافعي في فترات مختلفة من التاريخ. يستخدم بعض علماء المدرسة السلفية النجدية مصطلحًا قد يتجنبه أحفاد المدرسة نفسه؛ فمثلاً كلمة «الضريح» تُستَخدم الآن بمعنى مختلف عن ما كان عليه في عقود سابقة، ما يؤدي إلى ظهور هابيتوس لا يتقبل كلمة «ضريح» بالحساسية التي يحملها السلفيون التقليديون الحاليون.

الهابيتوس الصحوي بين الأجيال

تشكلت كتلة صلبة من الهابيتوس الصحوي لدى الجيل الذي نشأ منذ الصغر داخل أيديولوجية الصحوة، دون أن يدرك الفترات التاريخية التي سبقتها. على سبيل المثال، يذكر أحدهم (مواليد 1973م) أنه كان يصلي مع والده في مسجد الحي بجنوب المملكة، حيث كان هناك يمانيون يشاركونه الصلاة دون أي تفرقة، كأن المسجد يجمع طوائفًا متعددة تحت إمام واحد. ومع ظهور البارادايم الصحوي، تلاشى هذا التسامح المذهبي وتفاقمت الانقسامات الطائفية.

ولا يُعفى هذا الجيل من الانتقادات، فقد تحول زميل له في كلية الشريعة إلى مفتٍ لداعش وشارك في معارك الحركة، وهو ما يُستشهد به في تقارير إخبارية تحت عنوان «مقتل مفتي داعش 2015».

أما الجيل الأقل صلابةً، فهو الذي نشأ مع انتشار القنوات الفضائية والإنترنت، ويظهر بمستوى أقل من حدة الهابيتوس مقارنةً بسابقيه. يُقصد هنا توضيح الفكرة بصورة مبسطة أكثر من الالتزام بالدقة المنهجية المطلوبة في أبحاث علم الاجتماع.

من يربط بين الصحوة والإرهاب قد يتجاهل أن أحد أبرز زعماء الصحوة عُرف بدعمه للإرهابيين في فترة سابقة، حيث تولى دور وسيط بين وزارة الداخلية والجماعات المتطرفة. لا يُستعرض هذا الجانب بالتفصيل، إلا أن ذلك يُظهر التداخل بين الجناح الصحوي السياسي والعمليات الإرهابية، مع الحفاظ على المصطلحات التي يستخدمها الطرفان مثل «المجاهدين» أو «الاستشهاديين».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *