انتشار الكلاب الضالة في تعز يثير الذعر ويدفع السلطات لحملة عاجلة

تحولت ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في مدينة تعز جنوب غربي اليمن إلى قضية رأي عام، بعد أن بثت الرعب بين السكان إثر تسجيل مئات حالات العض منذ بداية العام الجاري 2026، بالتزامن مع ارتفاع الإصابات والوفيات بداء الكلب.
هذا الوضع المتفاقم دفع السلطات المحلية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة الظاهرة، في ظل أزمة صحية وإنسانية تعصف بالبلاد جراء الحرب المستمرة.
وفي الآونة الأخيرة، ناشد عدد من اليمنيين السلطات التدخل لمعالجة انتشار الكلاب الضالة، ودعا بعضهم عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى التظاهر احتجاجاً على استمرار تداعيات هذه المشكلة.
ظاهرة متفاقمة تهدد السكان
يأتي هذا في وقت ارتفعت فيه الوفيات جراء داء الكلب وازدادت الإصابات بنحو 25 في المئة منذ مطلع 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق ما أفاد به مسؤولون وسكان.
وأبلغ عدد من سكان تعز مراسل الأناضول أن الكلاب الضالة تنتشر بشكل لافت في مختلف أحياء المدينة، مما يشكل تهديداً صحياً لفئات المجتمع، ولا سيما الأطفال.
وقالت أم عبد الله، وهي ربة منزل في تعز، إنها باتت تخشى على أطفالها من الخروج إلى الشوارع في ظل الانتشار المتزايد للكلاب الضالة في أحياء المدينة. وأضافت للأناضول أن الكلاب أصبحت منتشرة بشكل ملحوظ في مناطق متفرقة من تعز، وتسببت في إصابة عدد من السكان، غالبيتهم من الأطفال.
وأشارت إلى أن أبناءها لم يُصابوا بعض أو خدش حتى اليوم، رغم إصابة بعض أقرانهم، لكنهم عادوا أكثر من مرة إلى المنزل وهم في حالة من الخوف بعد أن طاردتهم الكلاب في الطرقات.
إحصائيات صادمة وتحذيرات صحية
من جانبه، حذر عامر البوصي، المنسق العام لبرنامج مكافحة داء الكلب في تعز (حكومي)، من أن انتشار الكلاب الضالة في المحافظة يمثل مشكلة متفاقمة تهدد حياة السكان، الذين يُقدر عددهم بنحو 4 ملايين نسمة.
وأوضح البوصي للأناضول أن المركز سجل من يناير 2026 حتى 18 يوليو الجاري 540 حالة تعرض لعضات كلاب وحيوانات أخرى ناقلة للمرض، مثل القطط والحمير.
وأشار إلى أن الإحصاءات تضمنت 4 حالات وفاة جراء عضات كلاب مسعورة، منبهاً إلى أن الضحايا لم يصلوا إلى المركز إلا بعد فترات تراوحت بين 20 و40 يوماً من تاريخ الإصابة.
ولفت إلى أن هذه الأرقام تأتي مقارنة بـ439 حالة تعرض لعضات حيوانات ناقلة لداء الكلب وحالة وفاة واحدة خلال الفترة المماثلة من عام 2025، مما يعني تضاعف عدد الوفيات وارتفاع عدد الإصابات.
وأضاف البوصي أن سرعة ظهور أعراض المرض تعتمد على موقع العضة، فكلما كانت أقرب إلى الدماغ ظهرت الأعراض بشكل أسرع. وأوضح أنه بمجرد ظهور الأعراض تصبح الوفاة مؤكدة بنسبة 100 في المئة، لعدم وجود علاج معتمد عالمياً في هذه المرحلة من المرض.
وأكد أن من أبرز أسباب تأخر وصول المصابين إلى المركز ضعف الوعي بالإجراءات الصحيحة الواجب اتباعها بعد التعرض للعضة، إلى جانب بعض التدخلات غير المسؤولة، وقلة التوعية والتثقيف الصحي بشأن المرض.
وناشد البوصي الجهات المعنية والمنظمات الداعمة مساندة برنامج مكافحة داء الكلب، موضحاً أن البرنامج يمتلك خططاً وأنشطة توعوية وصحية وتدريبية وعلاجية، لكنها تحتاج إلى الدعم اللازم لتفعيلها في مختلف المديريات، بما يسهم في الحد من الوفيات وإنقاذ الأرواح من خطر عضات الكلاب المسعورة.
مطالبات بحملة ميدانية عاجلة
أرجع الناشط المجتمعي عبده السحولي انتشار الكلاب الضالة في مدينة تعز إلى تداعيات الحرب والإهمال، وإلى قيام بعض السكان بتربيتها داخل الأحياء، مما أدى إلى تكاثرها وخروج أعداد كبيرة منها إلى الشوارع.
وأضاف للأناضول أن الكلاب الضالة ليست جميعها مسعورة أو ناقلة للمرض، وإنما تصاب بداء الكلب بعد تعرضها لعضة حيوان مصاب، مثل الثعالب أو غيرها من الحيوانات البرية.
واعتبر أن الكلاب المسعورة قد تظهر بسلوكين مختلفين، فبعضها يصبح منعزلاً وعدوانياً عند الاقتراب منه، بينما يتسم بعضها الآخر بالحركة المستمرة ومهاجمة الأشخاص والحيوانات وكل ما يعترض طريقه.
وأوصى السحولي المواطنين بالتوجه مباشرة إلى مركز مكافحة داء الكلب عند التعرض لأي عضة، وعدم الاكتفاء بالعلاج في الصيدليات أو المراكز غير المتخصصة. ودعا إلى الحد من تربية الكلاب داخل الأحياء السكنية إلا لأغراض الحراسة، مع تجنب استفزاز الكلاب أو إيذائها.
وأفاد بأن الوقاية والتوعية تمثلان أهم وسيلتين للحد من الإصابات، وأن الخوف المفرط غير مبرر إذا جرى التعامل بشكل صحيح مع أي حالة تعرض للعض عبر التوجه الفوري إلى المركز المختص.
وتفاقم هذه المشكلة دفع محافظ تعز نبيل شمسان إلى عقد اجتماع في 16 يوليو الجاري لمناقشة وإقرار “الإجراءات العاجلة والعملية للبدء بتنفيذ حملة ميدانية واسعة للحد من انتشار الكلاب الضالة في شوارع وأحياء المدينة، بما يسهم في حماية المواطنين، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء وكبار السن، من مخاطرها”، حسب بيان للسلطة المحلية تابعته الأناضول.
ووجه شمسان سلطات المحافظة إلى “بدء الإعداد والتدشين الفوري للحملة الميدانية، وتسخير الإمكانات والموارد المتاحة كافة لضمان نجاحها وتحقيق أهدافها في المديريات المستهدفة كافة”. واستعرض الاجتماع “آليات التنسيق المشترك والخطط التنفيذية بين الجهات الخدمية والأمنية والمجتمعية لمعالجة هذه الظاهرة بشكل جذري، بما يضمن الحفاظ على السلامة العامة والبيئية”.
خلفية الحرب وتداعياتها على القطاع الصحي
وبحسب تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، نُشر في يونيو 2024 على موقعها الإلكتروني، فإن داء الكلب مرض فيروسي حيواني يؤثر على الجهاز العصبي المركزي. وتعد الكلاب مسؤولة عن نقل فيروس داء الكلب إلى البشر في نحو 99 في المئة من حالات داء الكلب البشري، ويشكل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عاماً أكثر ضحايا الداء، حسب المنظمة.
وذكرت المنظمة أن “الداء ينتقل إلى الإنسان والحيوان عن طريق اللعاب، وعادةً ما يكون ذلك بواسطة العض أو الخدش أو اللمس المباشر للغشاء المخاطي (للعين أو الفم أو الجروح المفتوحة)، وبمجرد ظهور الأعراض السريرية للداء، فإنه يصبح قاتلاً بنسبة 100 في المئة تقريباً”.
ويعاني القطاع الصحي اليمني إحدى أسوأ الأزمات في تاريخه نتيجة تداعيات الحرب المستمرة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي منذ عام 2014. وذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف”، في أبريل الماضي، أن النظام الصحي في اليمن لا يزال يواجه ضغوطاً هائلة، مما يؤدي إلى حرمان أكثر من نصف السكان من الحصول على الخدمات الصحية الأساسية.
ورغم المواجهات المتقطعة، يشهد اليمن منذ أبريل 2022 تهدئة في حرب بدأت قبل أكثر من 11 عاماً بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، التي تسيطر على محافظات ومدن، بينها صنعاء، منذ 21 سبتمبر 2014. وخلال الأيام الأخيرة، تجددت مواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين في عدة محافظات، بينها الجوف والضالع وتعز، وسط وعيد متبادل بين الطرفين، فيما يواجه البلد إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.



