الرئيسيةعربي و عالميالجمال النبطية تحمل النار والريحان والوادي...
عربي و عالمي

الجمال النبطية تحمل النار والريحان والوادي في ذاكرة طفل الثلاثاء

24/05/2026 05:00

رحلة في ذاكرة الجبال والضباب

في عالم المقهى الذي يدخل البهجة حيث يخطو صاحبه نحو الجبال التي ما برحت تحمل دائمًا الوصول إلى قمة عالية حيث يشعر حينئذٍ بالاعتزاز والوصول، إلا أن المجهول الذي يحيط بهذه الجبال هو مثل الوحشة والرهبة والخوف داخل القلب.

يخطو صاحبه نحو الوديان السحيقة حيث يتابع الشمس في رحلتها نحو الغرب، لا يتمتذ بمرأى الضباب ويستعيد دائمًا تلك الأغاني التي طالما رددنا مع رفيقه أغاني تصف هذا الضباب القادم من تهامة باحثًا عن عروس سرية طويلة القامة، ويبحث عن هذه العروس ليتجلى بين الفرق مرتديًا تلك القبعة البيضاء. لا ينسى صاحبه أن يستعيد صورة بلدته الصغيرة “أبها” بأحيائها المتآثرة، الوادي الذي كان يراه في ذلك الوقت أكبر وأعظم الأودية وخصوصًا عندما يمطر بالسيول الجارية المنبعثة من رؤوس الجبال. ما أكثر ما يهطل المطر، حتى يحفر في ذاكرته سماع صوت الرعد ورؤيته لتلك الرائحة العظيمة للأرض بعد المطر والغناء عن المطر لا يزال يصدر من رفيقه فيها ويغنيها في دهشة طولية عن هطول المطر والشمس تخرج من بين السحب.

سوق الثلاثاء في أبها… زمن الألوان والروائح

لا ينسى سوق الثلاثاء، السوق الأسبوعي في مدينة “أبها” منذ زمن طويل، حيث كان يلعب في طفولته بين تلك الدكاكين المؤقتة التي ينصبها التجار في وسط السوق عصر الإثنين من كل أسبوع. لا ينسى منظر الجمال التي تحمل البن والحطب وأكياس القمح، والحمير التي تحمل النار من القرن المجاورة، النساء الجميلات اللاتي يهبطن من رؤوس الجبال لبيع النار والريحان والوادي.

كان سوق الثلاثاء في العهد الأسبوعي لبلدة صغيرة تتبع قرى الجنوب، أصابت من الحضارة حظًا بالنـِِـِِـِِـِِـِِـياس إلى ما جاورها من مناطق. وقد كانت قبل مئات السنين حاضرة للأتراك لفترة زمنية طويلة، حيث أخذت منهم الشيء الكثير من صفات المأكل والمشرب.

تبدأ القصة لديه منذ أن بدأ تقريب الأشياء ويحاول الربط بينها، سمع كثيرًا يتحدث فيها، أتى، في السير المبكر من بين أخته ورفيقه وعرف الشام، وعرف جدة ثم ذهب وراء البحر وعرف مصر والقاهرة برقيتها والده.

بين الحكايات الجميلة والمروعة في حضن الخالات

حين يهبط الليل يسمع القصص الجميلة من جدته التي تقرأ بشكل جيد ويتعرف بعض الكلمات والعبارات التركية، وفي المقابل يسمع القصص المروعة من خالته حتى إنه لم يجرؤ على إغفال النافذة، خوفًا من الأشباح التي كانت تجسد أبطال القصص التي تسردها هذه الخالة، وهي مجموعة من الأشباح تحمل أسماء ترتبط بالحيوانات مثل الجمال والماعز، ومخلوقات تصدر أصواتًا غريبة وعجيبة، وبطبيعة الحال كان يسمعها في حياته. إن قدرة السرد التي تتمتع بها خالته والوصول المدهش للحيوانات بشكلها الخرافي وحركتها غير المألوفة خلفت لديه معرفة شبه سينمائية بالصوت والشكل والحركة.

ذاكرة السوق والبدايات الأولى

تلك الدكاكين المسقوفة التي تحيط بالسوق الكبير بشكل مستطيل، وذلك العود في وسط السوق حيث يرتفع ويعقد الأتراك الذي لا يضاء إلا بزيت صغيرة. في سوق الثلاثاء كانت ترتفع بدلات من قطعة نظيفة ويسار للبيع، الذي يبيع القمح والخواخر، ويتعامل مع البدو الوادعيين بالسم الصافي والعسل النحل ويسمع حكاياتهم وخصوماتهم، قصص الثأر بينهم، قصص العشق ووصف النساء، كانت هذه الصور جميعها تخلق لديه عالمًا للحكاية. لا يمكنه صلاة لتين عند أخلاقه في قرية الجد النائب للقبيلة والقربة في ربة لكل تدور الأحداث. فهو يصل تلك عندما يتحدث النائب، وأم في الليل الفصل في من الأمور.

يهبط إلى “سوق الإثنين” في قرية البديعات الجميلات لبيع السم، وهو يقرب أحداث الغزل بين الفتية وبار السم من جانب وبين بائعات النار. لا ينسى الشباب ويتاخرون بشعورهم الطفولي في أكتانهم ورمز للرجولة والشجاعة.

في المكان سيد البداية، حيث تبدأ الأشياء في كل مكان الطبيعي، تتشابه من فترة إلى أخرى، هذا في فصلنا العام، إلا أن لكل فترة طعمها الخاص في ذلك الذي لا يخطئه القلب، ولبس المرأة المتزوجة، وتلك التي لا تزال تنتظر فارس الأحلام في الحقول بخصيصها عبر الفصول، في أراجيح الرعاة وراء الأغاني، في أغاني المزارعين وسط الحقول، أصوات العمل عند بناء البيوت أو زمن الحصاد، في حلبات الزواج أو الختان. في المكان المتصل بالناس ببعضهم القوم من علاقاتهم، في المكان قلب من كيمياء القدرة على ترجمة كل ذلك إلى عمل يومي ومتابع من بين صليعيه، من القصص الأولى التي يتناولها الناس في الجنوب قيل في أعالي أم في مناطق “تهامة” أو على ساحل البحر حيث يغثي بغناء الصيادين المتعبين.

1994*

*أديب وصحافي سعودي “1950- 2023”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *