الرئيسيةعربي و عالميحميات «تيك‑توك» القاسية تُعرِّض مراهقين للإجهاد...
عربي و عالمي

حميات «تيك‑توك» القاسية تُعرِّض مراهقين للإجهاد ومضاعفات صحية خطيرة

24/05/2026 23:01

يتزايد تأثير منصات التواصل الاجتماعي على سلوكيات المراهقين الصحية والغذائية في العالم الرقمي، خاصةً مع انتشار مقاطع فيديو قصيرة تروّج لحميات قاسية ووصفات سريعة للإنقاص دون أي أسس علمية أو إشراف طبي. أصبحت تطبيقات مثل TikTok مصدرًا رئيسيًا يتلقى منه العديد من المراهقين نصائح غذائية مضللة تدفعهم إلى اتباع أنظمة غذائية خطرة سعيًا إلى نتائج سريعة ومظهر مثالي خلال أيام معدودة.

انتشار مقاطع توعد بخسارة سريعة للوزن

رصدت صحيفة «البيان» مقاطع تحمل عناوين جذابة مثل «اخسر 10 كيلوات في 3 أيام»، و«رجيم بذور الشيا السحري»، أو «رجيم الموز لخسارة 5 كيلوات خلال عطلة نهاية الأسبوع». تستهدف هذه العناوين الفئة العمرية الأكثر تعرضًا للضغوط الاجتماعية المتعلقة بالمظهر الخارجي. وفقًا لأطباء واختصاصيين، قد تؤدي هذه الحميات إلى مضاعفات صحية خطيرة تشمل الدوخة، الإغماء، اضطرابات المعدة والقولون، بالإضافة إلى انخفاض ضغط الدم ومستوى السكر ونقص حاد في العناصر الغذائية الأساسية.

سلوكيات مراهقين تتجاوز المشاهدة إلى التطبيق

أوضح مختصون أن بعض المراهقين لم يعودوا يكتفون بمشاهدة هذه المقاطع بدافع الفضول أو الترفيه، بل بدأوا يطبقون أنظمة غذائية قاسية تعتمد على الامتناع الطويل عن الطعام، أو الاكتفاء بمشروبات محددة، أو الإفراط في شرب الماء والقهوة ومشروبات «حرق الدهون»، دون أي استشارة طبية أو متابعة صحية.

وذكر الدكتور شافع النيادي، خبير التنمية البشرية والعلاقات الأسرية، أن الظاهرة تكمن في اتخاذ المراهق قرارات مصيرية تتعلق بصحته الجسدية والنفسية بعيدًا عن رقابة الأسرة أو توجيه المختصين، متأثرًا بمحتوى رقمي يربط النحافة بالقبول الاجتماعي والثقة بالنفس. وأشار إلى أن المقارنة المستمرة مع المؤثرين تدفع البعض إلى الدخول في دوامة من الحرمان الغذائي والتجويع القاسي سعيًا لتحقيق شكل معين خلال فترة زمنية قصيرة.

وحذر من أن هذه الممارسات قد تتطور إلى اضطرابات غذائية مزمنة يصعب علاجها، مشيرًا إلى أن بعض الأسر قد لا تلاحظ التغيرات المفاجئة في سلوك أبنائها الغذائي، مثل الامتناع عن الوجبات، أو شرب كميات كبيرة من الماء لتقليل الشعور بالجوع، أو ممارسة الرياضة بشكل مفرط. وقد يبدو المراهق في البداية سعيدًا بخسارة الوزن، لكنه في الواقع يمر بمرحلة من الاستنزاف الجسدي والنفسي الخطير.

تداعيات صحية وفقدان للسوائل والكتلة العضلية

أكد المستشار البدني الدكتور أسامة اللالا أن خسارة الوزن السريعة التي يروج لها بعض حسابات التواصل لا تعني فقدان الدهون الحقيقية، بل غالبًا نتيجة فقدان السوائل والكتلة العضلية. وقد يؤدي ذلك إلى إرهاق شديد، اضطرابات تركيز، وضعف الدورة الدموية.

وأشار إلى أن الأنظمة التي تعتمد على نوع واحد من الطعام، مثل الموز أو بذور الشيا فقط، تحرم الجسم من العناصر الغذائية الضرورية للمراهق في مرحلة النمو، ما قد يفضي إلى نقص حاد في الفيتامينات والأملاح والبروتينات. كما نبه إلى أن ممارسة تمارين رياضية قاسية مع التجويع تمثل خطرًا إضافيًا، خصوصًا للفتيات وصغار السن، لما قد تسببه من إجهاد للقلب والعضلات، اضطرابات هرمونية، ومشكلات في النوم والتركيز الدراسي.

وشدد على أن الوصول إلى وزن صحي لا يتحقق عبر وصفات سريعة أو تحديات رقمية، بل من خلال نمط حياة متوازن قائم على تغذية صحية متنوعة، نشاط بدني معتدل، ونوم كافٍ، مع ضرورة أن تكون خسارة الوزن تدريجية ومدروسة.

دور الأسرة والوعي بالمخاطر

أكدت الاختصاصية التربوية والنفسية ميساء عبدالله أن للأسرة دورًا محوريًا في حماية أبنائها من المحتوى المضلل. فأشار بعض المراهقين إلى أنهم يخفون عن أسرهم اتباع حميات قاسية خوفًا من الرفض أو السخرية، بينما يجذب آخرون فكرة «النتائج السريعة» نتيجة الضغوط النفسية المرتبطة بالمظهر والتنمر.

وأوضحت أن الأسرة مطالبة بمراقبة أي تغيرات مفاجئة في السلوك الغذائي أو النفسي للأبناء، مثل فقدان الشهية، الانعزال، التوتر، أو الانشغال المفرط بالوزن والسعرات الحرارية. وأكدت أن الحوار الهادئ والواعي داخل المنزل أكثر فعالية من أساليب التخويف أو العقاب.

كما نبهت إلى أن الكثير من المقاطع المنتشرة تقدم معلومات غير علمية تُصنّف كنصائح صحية، في حين يفتقر المراهق إلى القدرة الكافية للتمييز بين المحتوى الطبي الصحيح والمضلل، ما يجعله أكثر عرضة للتقليد.

تحذيرات طبية من حميات الإنترنت

حذر الدكتور نجيب صلاح عبدالرحمن، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي، من أن الحميات القاسية المنتشرة عبر تطبيقات التواصل قد تسبب اضطرابات مباشرة في الجهاز الهضمي، خاصة تلك التي تعتمد على الامتناع الطويل عن الطعام أو تناول مكونات معينة بكميات مفرطة مثل بذور الشيا أو السوائل فقط. وقد تؤدي هذه الممارسات إلى مشكلات في المعدة والقولون، إمساك أو إسهال، حموضة، ونقص الإنزيمات والعناصر الضرورية لعمل الجهاز الهضمي بصورة طبيعية. كما أشار إلى أن فقدان الوزن السريع قد يزيد خطر تكوّن حصوات المرارة لدى البعض.

كشف الدكتور محمد الغزولي، أخصائي طب الأسرة في مستشفى سلطان بن زايد، أن العيادات بدأت تستقبل حالات مراهقين يعانون من تعب وإغماء واضطرابات معدية نتيجة اتباع حميات مأخوذة من الإنترنت دون استشارة طبية. وأوضح أن بعضهم يمتنع عن الوجبات الرئيسية أو يفرط في شرب الماء والقهوة ومشروبات حرق الدهون بهدف خسارة الوزن بسرعة، ما قد يؤدي إلى انخفاض ضغط الدم، اضطرابات سكر الدم، وضعف عام في الجسم. وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق بالغذاء فقط، بل تمتد إلى الجانب النفسي نتيجة المقارنات المستمرة مع صور الأجسام المثالية على المنصات الرقمية.

أكدت أخصائية التغذية العلاجية الإكلينيكية ناتاشا عجاقة أن الحميات السريعة أصبحت خطرًا متزايدًا على صحة المراهقين، خاصة تلك التي تعد بخسارة أوزان كبيرة خلال أيام قليلة تحت عناوين جذابة لا تستند إلى أي أساس علمي. وأوضحت أن الأنظمة التي تحرم الجسم من مجموعات غذائية كاملة أو تقتصر على نوع واحد من الطعام قد تؤدي إلى مضاعفات صحية ونفسية خطيرة، إذ يمر المراهق بمرحلة نمو حساسة تتطلب توازنًا غذائيًا دقيقًا لدعم النمو الجسدي والهرموني والعقلي.

وأضافت أن خسارة الوزن السريعة غالبًا ما تكون نتيجة فقدان السوائل والكتلة العضلية وليس الدهون، ما ينعكس سلبًا على النشاط الذهني والأداء الدراسي، ويسبب إرهاقًا، دوخة، ضعف تركيز، واضطرابات في ضغط الدم والسكر. كما أشارت إلى أن بعض الحميات قد تؤدي إلى نقص حاد في البروتينات، الحديد، الكالسيوم، وفيتامين «B12»، مما يؤثر على المناعة، صحة العظام، مستويات الطاقة، والحالة النفسية.

وأخيرًا، أكدت أن المشكلة لا تتوقف عند الحميات نفسها، بل تمتد إلى التأثير النفسي الناجم عن المقارنات المستمرة والصور المثالية غير الواقعية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تدفع بعض المراهقين إلى البحث عن نتائج سريعة بأي وسيلة ممكنة. ودعت إلى بناء ثقافة توازن صحي داخل الأسرة من خلال تعزيز مفهوم الغذاء المتنوع، النشاط البدني المعتدل، والنوم الكافي، بعيدًا عن التركيز الضيق على أرقام الميزان أو المظهر الخارجي. وأكدت أن الوصول إلى وزن صحي ومستدام لا يتحقق عبر وصفات عشوائية أو تحديات رقمية، بل عبر أسلوب حياة متوازن وتحت إشراف مختصين يراعون الاحتياجات الصحية والنفسية للمراهق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *