الرئيسيةعربي و عالميمسجد بايرقلي في بلغاريا.. معلم عثماني...
عربي و عالمي

مسجد بايرقلي في بلغاريا.. معلم عثماني نادر يجمع بين الزخارف الإسلامية وفن الباروك الأوروبي

24/07/2026 09:52

يُعد مسجد بايرقلي في مدينة ساموكوف البلغارية واحداً من أبرز المعالم العثمانية التي لا تزال قائمة في البلاد، وذلك بفضل تصميمه المعماري الفريد وزخارفه الداخلية التي تمتزج فيها عناصر الفن العثماني المتأخر مع تأثيرات أوروبية واضحة، لا سيما طابع الباروك، مما يجعله مقصداً للزوار والباحثين في مجالي التراث والتاريخ.

نموذج معماري استثنائي في البلقان

يمثل المسجد نموذجاً نادراً للعمارة العثمانية المتأثرة بفن الباروك، حيث تزدان جدرانه وأسقفه بزخارف نباتية ورسوم أزهار ونقوش تحاكي ثنيات الأقمشة، إلى جانب عناصر زخرفية تعكس امتزاج الذوق الفني العثماني بخصائص طرازي الباروك والروكوكو اللذين ازدهرا في أوروبا الغربية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

ويُرجح أن بناء المسجد يعود إلى عام 1845، وهو يُستخدم حالياً كمتحف مفتوح للجمهور، كما يخضع للحماية بصفته أحد مكونات التراث الثقافي في بلغاريا، ويُعتبر من أبرز الشواهد على الهوية التاريخية والثقافية لمدينة ساموكوف.

روايات تاريخية وأعمال ترميم كشفت تفاصيل جديدة

أفاد مدير متحف ساموكوف التاريخي وعالم الآثار فيسيلين هادجيانغيلوف بأن مسجد بايرقلي أُقيم فوق أنقاض مسجد أقدم وأكثر اتساعاً، مشيراً إلى أن الرواية التاريخية الأكثر قبولاً ترجح أن المبنى شُيد تكريماً لوالي ساموكوف العثماني محمد خسرو باشا.

وأوضح هادجيانغيلوف، في حديث لوكالة الأناضول، أن الزخارف الداخلية للمسجد أنجزها على الأرجح عدد من أبرز فناني مدرسة ساموكوف للرسم، من بينهم خريستو يوفيفيتش وإيفان دوسبيفسكي وكوستا فالييوف. وأضاف أن هذه الزخارف تختلف عن الأسلوب التقليدي المألوف في العمارة الإسلامية، إذ تظهر فيها تأثيرات واضحة لطراز الباروك الأوروبي، مما يجعل المسجد أحد أندر النماذج المعمارية من نوعها في منطقة البلقان.

ونقل هادجيانغيلوف رواية متداولة بين سكان المدينة مفادها أن القائمين على المسجد طالبوا بطمس هذه الزخارف، إلا أن محمد خسرو باشا أدرك قيمتها الفنية وأمر بالحفاظ عليها، لتظل حتى اليوم أبرز ما يميز هذا المعلم التاريخي.

وكشفت أعمال الترميم التي أُجريت في ستينيات القرن الماضي تفاصيل مهمة حول طريقة تشييد المسجد. وأوضح هادجيانغيلوف أن الأقواس الحاملة للقبة شُيدت باستخدام جذوع صنوبر طبيعية مائلة جُلبت من المرتفعات العليا لجبال ريلا جنوب غربي بلغاريا، فيما اعتمد البناؤون تقنية التعشيق الخشبي لتثبيت أجزاء البناء بدلاً من استخدام المسامير، وهو أسلوب هندسي يعكس مستوى متقدماً من الحرفية في تلك الحقبة. كما أسفرت أعمال الترميم عن العثور على عدد كبير من المخطوطات الدينية المكتوبة باللغة العثمانية داخل المسجد، مما يشير إلى أن مدينة ساموكوف كانت مركزاً مهماً للثقافة والتعليم خلال العهد العثماني.

تهديدات تواجه الزخارف التاريخية وجهود الترميم

رغم القيمة التاريخية والفنية للمسجد، حذر هادجيانغيلوف من التحديات التي تهدد الحفاظ عليه، موضحاً أن غياب الصيانة الشاملة لسقف المبنى على مدى سنوات أدى إلى تسرب مياه الأمطار، الأمر الذي بدأ يؤثر في الرسوم والزخارف الجدارية. وأضاف أن الجهات المختصة أعدت مشروعاً جديداً لترميم المسجد وصيانته، إلا أن الجهود لا تزال مستمرة لتأمين التمويل اللازم لتنفيذه، حفاظاً على هذا المعلم التاريخي.

وأكد هادجيانغيلوف أن مسجد بايرقلي لا يزال يستقطب الزوار من داخل بلغاريا وخارجها، مشيراً إلى أن إدارة المتحف وضعت رقم هاتف عند مدخل المبنى، بحيث يتمكن الزائرون من الاتصال ليُفتح المسجد أمامهم. وقال: “يكاد لا يمر يوم دون أن يأتي أشخاص يرغبون في زيارة المسجد والتعرف إليه”. وأضاف أن المسجد يثير دهشة الزائرين، لا سيما أنه يقع في مدينة تضم ست كنائس، ومع ذلك ما زال يحتفظ بحالته التاريخية بصورة لافتة. وتابع: “عندما يرى الناس أن الباب مفتوح، يدخلون لاكتشاف هذا المبنى المختلف والمميز، ونحن نفخر كثيراً بهذا المسجد”.

وشدد هادجيانغيلوف في ختام حديثه على أن تنفيذ مشروع الترميم بات ضرورة ملحة لضمان مستقبل المسجد، مؤكداً أن الحفاظ على الممتلكات الثقافية يتطلب توفير الظروف المناسبة لصيانتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *