الرئيسيةعربي و عالميمتلازمة الرقيب: كيف يتحول الموظف إلى...
عربي و عالمي

متلازمة الرقيب: كيف يتحول الموظف إلى صورةً دون إنجاز

26/05/2026 01:00

في مقالة سابقة تناولنا ظاهرة «متلازمة الرادار» التي تدفع بعض الأفراد إلى تجاوز القوانين ما لم تُراقبهم عدسة مراقبة سلوكه. إلا أن هذا النمط لا يقتصر على الطرق فقط، بل يتسلل أحياناً إلى بيئات العمل، حيث يظهر ما أسميه «متلازمة الرقيب». هذا المصطلح يصف الشخص الذي لا يستند إلى دوافع داخلية للعمل، بل ينتظر دوماً أن تكون هناك عيون تراقبه، ومسؤول يتابعه، وتقييم يدفعه للتحرك مؤقتاً، بعيداً عن ضمير الذات.

الحضور الشكلي بدلاً من الإنتاج الفعلي

يتسم هذا النمط من الموظفين بقياس الأداء ليس بالإنتاجية، بل بالحضور الظاهري. يكثرون من الاستراحات معتبرين إياها «حقاً مكتسباً» أو حافزاً للاستمرار. قد يمتد يومهم لساعات طويلة، يتركون أشياءً على مكاتبهم لإعطاء انطباع بالانشغال، ويتنقلون بسرعة بين المكاتب والممرات ليظهروا كأنهم غارقون في المهام، بينما الواقع يختلف تماماً؛ فالساعات الطويلة تُستنزف في أعمال لا تحتاج سوى دقائق معدودة.

تحول مؤقت عند مراقبة المسؤول

عندما يقترب المسؤول يصبح الموظف فجأة نموذجاً للامتياز. يزداد نشاطه الظاهري، وتظهر حركة مستمرة وتفاعل مبالغ فيه. في الاجتماعات يصبح أكثر المتحدثين والمتدخلين، يجيد التنظير وتقديم الملاحظات عن الآخرين، بينما يبقى إسهامه الفعلي في الإنجاز محدوداً أو شبه معدوم. فهو يتقن صناعة الصورة أكثر من صناعة العمل ذاته.

عودة السلوك إلى الوضع الطبيعي بعد غياب الرقيب

بمجرد أن يغادر المسؤول، يعود كل شيء إلى رتابته السابقة؛ تباطؤ الوتيرة وتراجع الدوافع، واختفاء النشاط المفاجئ. وتظهر المشكلة بصورة أوضح مع اقتراب مواسم التقييم والترقيات، حيث يتحول الإنجاز إلى حملة علاقات عامة مؤقتة، لا إلى التزام مهني مستمر.

تأثير المتلازمة على بيئة العمل

تكمن المشكلة الحقيقية في «متلازمة الرقيب» في أنها لا تضر المؤسسة فحسب، بل تستنزف فرق العمل من الداخل. فهي تخلق بيئة غير عادلة يشعر فيها الموظف المجتهد أن جهده يضيع وسط الضجيج والاستعراض، بينما يحصل صاحب المظاهر على نفس القدر من الاهتمام أو أكثر. مع مرور الوقت قد يفقد الفريق روحه، عندما تصبح الصورة أهم من النتيجة، والحركة أهم من الإنجاز.

العمل الحقيقي لا يتطلب رقيباً دائماً؛ فالاحتراف يبدأ من الضمير والاحترافية المهنية. الموظف الناجح هو من يعمل سواء وُجد المسؤول أم لا، لأنه يدرك أن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه لا بما يدّعيه. المؤسسات لا تنهض بالمراقبة وحدها، بل بثقافة المسؤولية الذاتية، وبأشخاص يؤمنون بأن أداء الأمانة لا يرتبط بوجود الكاميرا أو المدير أو موعد التقييم.

للقراءة المزيد من مقالات الكاتب، يرجى النقر على اسمه. مسؤولية ما يُنشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *