مستشفيات أوروبية تحت وطأة موجة الحر وطرق تتشقق: تدابير وإجراءات في مواجهة الطقس القاسي

في قسم الطوارئ بمستشفى جورج بومبيدو في باريس، امتلأت الممرات بمرضى يشتد عليهم تأثير موجة الحرارة المستمرة. وصل كبار السن والمرضى الذين تتراوح أعمارهم بين الخمسينيات إلى أقسام العناية، جميعهم يعانون من ارتفاع شديد في درجة حرارة أجسامهم.
ارتفاع حراري غير مسبوق في أقسام الطوارئ
أفاد فيليب جوفان، رئيس قسم الطوارئ، لوكالة فرانس برس أن الممرات أصبحت مزدحمة بمرضى يعانون من حرارة جسم تصل إلى مستويات حادة، مشيراً إلى حالة أحد المرضى التي سجلت حرارة 42 درجة مئوية. هذه الظروف داخل المستشفى ما هي إلا جزء من المشهد الأوسع الذي يشهده قطاع الرعاية الصحية في فرنسا.
بعد سبعة أيام متواصلة من ارتفاع درجات الحرارة، صرّحت صحيفة «لوموند» بأن خدمات الطوارئ في البلاد دخلت مرحلة حرجة. وفي مستشفى أرجنتوي بمحيط باريس، أكدت كاترين لوغال، رئيسة قسم الطوارئ، وقوع ست وفيات خلال ليلة واحدة بين الأربعاء والخميس، أغلب الضحايا كانوا من كبار السن الذين حاولوا مقاومة الحرارة في البداية ثم انهارت حالتهم مع استمرار الطقس الحار.
بهدف تخفيف الضغط المتزايد، بدأت المستشفيات الفرنسية تأجيل عمليات غير عاجلة، واستدعاء كوادر إضافية، وإعادة توزيع الفرق الطبية بين الأقسام.
آثار الحرارة على الأجهزة الطبية والبنية التحتية
نقلت وكالة «رويترز» عن أطباء في بريطانيا أن الارتفاع المستمر في درجات الحرارة بدأ يؤثر على بعض الأجهزة الطبية الحساسة، مثل أجهزة الرنين المغناطيسي وأجهزة علاج السرطان، في وقت تصاعدت فيه مكالمات الطوارئ وزاد الضغط على المستشفيات.
خارج المستشفيات، ألغت الشرطة الفرنسية مسيرة كان من المتوقع أن يشارك فيها نصف مليون شخص، خوفاً من زيادة العبء على خدمات الطوارئ والرعاية الصحية في ظل استمرار الموجة الحارة.
سجلات مناخية وتحذيرات طاقة في المملكة المتحدة وألمانيا
وفقاً لمكتب الأرصاد البريطاني، سُجلت في منطقة سوفوك شرق إنجلترا درجة حرارة 36.9 درجة مئوية، محطمًا الرقم القياسي لشهر يونيو لثلاثة أيام متتالية. ومع ذلك، كان التركيز الأكبر على تحذير شركة الكهرباء البريطانية من احتمال حدوث نقص في الإمدادات خلال ساعات الذروة، ودعوتها شركات توليد الطاقة لتوفير طاقة إضافية.
في الوقت نفسه، خفضت بعض المفاعلات النووية الفرنسية إنتاجها نتيجة ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في تبريدها.
في ألمانيا، أطلقت نقابة ماربورغر بوند للأطباء تحذيراً حول نقص الغرف المكيفة في معظم المستشفيات، ما عدا وحدات العناية المركزة وبعض الأقسام المتخصصة، مضيفة أن الطواقم الطبية تضطر أحياناً إلى استعمال أكياس الثلج لتقليل أثر الحرارة على المرضى.
تسبب ارتفاع الحرارة أيضاً في تشقق جزء من أحد الطرق السريعة، بينما قرر البرلمان الألماني إغلاق القبة الزجاجية لمبنى الرايشستاغ أمام الزوار خلال عطلة نهاية الأسبوع بسبب الظروف المناخية القاسية.
إجراءات وإغلاقات في دول أخرى
أعلنت هولندا أعلى مستوى للتحذير من الحر، ونصحت السكان بتقليل التنقل، مع بقاء عدد من المدارس مغلقة. وفي النمسا، رفعت السلطات مستوى التأهب مع توقع وصول درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية في عدة مناطق.
حسب حسابات وكالة فرانس برس المستندة إلى بيانات الأرصاد الأوروبية، تجاوزت درجات الحرارة 35 درجة مئوية أكثر من 150 مليون أوروبي، بينما عانى أكثر من 420 مليون شخص من حرارة تفوق 30 درجة مئوية، في واحدة من أوسع موجات الحر التي شهدتها القارة هذا الصيف.
يؤكد علماء مجموعة «وورلد ويذر أتريبيوشن» أن شدة هذه الموجة كانت شبه مستحيلة لولا التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية، بينما توضح المنظمة العالمية للأرصاد أن الحكم النهائي حول ما إذا كانت هذه الموجة هي الأشد في تاريخ أوروبا سيُحدد بعد انتهاء الصيف، مع استمرار تطورها وتوسع نطاقها.
في مستشفى جورج بومبيدو، لم تكن الخرائط المناخية أو الأرقام القياسية هي العامل الحاسم، بل كان تدفق المرضى الجدد إلى الممرات هو ما يحدد وتيرة اليوم. وفي مدن أخرى، تُؤجل العمليات الجراحية، وتُرفع حالات التأهب في شبكات الطاقة، وتُلغى الفعاليات العامة، وتتشقق الطرق تحت وطأة الحرارة.
من قسم الطوارئ الباريسي إلى غرفة التحكم في شبكة الكهرباء البريطانية، ومن المستشفيات الألمانية التي تبحث عن حلول لحماية مرضاها، تعيد موجة الحر تنظيم تفاصيل الحياة اليومية في أوروبا، محولةً ظاهرة جوية إلى اختبار متزامن يضغط على المستشفيات، وشبكات الطاقة، والبنية التحتية، إلى جانب ملايين السكان.



