الرئيسيةعربي و عالميأزمة الكهرباء في العراق تكشف هشاشة...
عربي و عالمي

أزمة الكهرباء في العراق تكشف هشاشة اقتصاد يعتمد على النفط فقط

28/05/2026 19:01

تظهر أزمات الكهرباء التي تعصف العراق هذا الصيف بوضوح أن الاعتماد على مصدر واحد للدخل يجعل الدول عرضة للصدمة مهما كانت ثرواتها الطبيعية. فالعراق، الذي يُعد من أغنى دول العالم بالنفط، يواجه اضطرابات شديدة في التيار الكهربائي خلال فصل الصيف، عقب توقف إمدادات الغاز الإيرانية نتيجة للحرب، ما كشف عن ضعف بنية اقتصاده وغياب تكامل قطاعات الاقتصاد.

تفاقم الأزمة مع ارتفاع الحرارة

وفقاً لتقارير صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، يلوح شبح انقطاع التيار الكهربائي في أحر شهور الصيف حيث تتجاوز درجات الحرارة 45 درجة مئوية، ما يرفع الطلب على التبريد في وقت تتعطل فيه صادرات النفط العراقية نتيجة إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران. وتُشكل صادرات النفط أكثر من 90% من موازنة البلاد.

اعتماد النفط وحده يكشف ضعفه

تشير الصحيفة إلى أن فشل العراق في تنويع مصادر طاقته ودخله حوله إلى واحدة من أكثر الدول هشاشة أمام تداعيات الصراع الذي اندلع في فبراير الماضي. ونقل عن المحلل في شركة “وليجنس” إريك سوساي قوله إن إنتاج النفط العراقي انخفض إلى نحو ربع مستوياته قبل الحرب، ما اضطر بغداد إلى إغلاق معظم حقوله النفطية، وبالتالي اهتز المصدر الوحيد الذي ترتكز عليه موازنة الدولة.

يتضاعف الخلل عندما ينتقل التركيز من الدخل إلى الطاقة. فالعراق، رغم كونه من أكبر منتجي النفط في أوبك، يحرق جزءاً كبيراً من الغاز المصاحب لإنتاجه بدل استثماره، واعتمد خلال العقد الأخير على الواردات الإيرانية لتأمين نحو ثلث إمداداته الكهربائية. وقد منح هذا الاعتماد طهران ورقة ضغط على جارتها، إذ يتحول الاعتماد على مورّد واحد إلى نقطة ضعف استراتيجية في لحظة الأزمة.

انقطاع الغاز وتأثيره على الإنتاج الكهربائي

نقلت الصحيفة عن وزارة الكهرباء العراقية أن إمدادات الغاز الإيرانية توقفت بالكامل بعد قصف إسرائيلي لحقل “بارس الجنوبي” للغاز في مارس، لتنخفض الكميات المستوردة إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً في أبريل، مقابل 50 مليون متر مكعب تحتاجها محطات الكهرباء. وحذرت الوزارة من تراجع ساعات تجهيز الكهرباء بسبب الحرب التي عرقلت استعداداتها لمواجهة ذروة الطلب الصيفي.

وذكر ريتشارد برونز، رئيس قسم الجيوسياسة في “إنرجي آسبكتس”، أن العراق لجأ إلى حرق النفط الخام لتوليد الكهرباء في محاولة لتوفير الغاز بعد أن شحّ حتى الغاز المحلي نتيجة تراجع الإنتاج النفطي.

آراء وخلفيات حول الأزمة

نقلت الصحيفة عن رعد القادري، الشريك الإداري في شركة الاستشارات المتخصصة في المخاطر السياسية “3TEN32″، وصفه الوضع بـ “حرب لم يكن العراق مستعداً لها على الإطلاق”، مضيفاً أن رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، الذي أدّى اليمين الدستورية مؤخراً بعد أشهر من الصراعات السياسية، يواجه أزمة موازنة واحتمالات اضطرابات شعبية. وتجدر الإشارة إلى أن انقطاع الكهرباء في ذروة الحر قد أشعل احتجاجات واسعة في صيف 2021.

وأشار هاري إستيبانيان، مؤسس “مركز العراق للتغيّر المناخي”، إلى أن العراق سعى لربط شبكته الكهربائية بشبكة الخليج دون جدوى، ما حرمّه من بديل إقليمي كان من الممكن أن يخفف اعتماده على مصدر واحد.

وقال لؤي الخطيب، وزير الكهرباء العراقي الأسبق، إن الدعم الحكومي جعل الكهرباء رخيصةً إلى حد رفع الطلب سنوياً بوتيرة لا يستطيع النظام مجاراتها. وأضاف رناد منصور، مدير مبادرة العراق في معهد “تشاتام هاوس”، أن غياب الحوافز السياسية حال دون إصلاح المنظومة، مؤكدًا أن وزارة الكهرباء تُنظر إليها أولاً كفرصة للربح وثانياً كفرصة لتقديم الخدمات.

آفاق المستقبل وحلول محتملة

تشدد “فاينانشال تايمز” على أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيزيد من حدة الأزمة، خاصةً مع صعوبة إعادة تشغيل الحقول النفطية المغلقة. ونقلت الصحيفة عن فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، قوله إن إعادة حقل نفطي إلى العمل بعد إغلاقه يتطلب الكثير من الوقت والجهد.

وأوضح أحمد طبقجلي، كبير الاستراتيجيين في صندوق “AFC العراق”، أن الحكومة تستطيع الاقتراض لتغطية عجز موازنتها ما دامت الأزمة ستنحسر خلال أشهر، لكنه حذر من أن استمرار الحرب قد يجعل كل الاحتمالات واردة، بما في ذلك العجز عن دفع رواتب القطاع العام الضخمة.

وتتجاوز دلالة الأزمة حدود العراق لتعيد التأكيد على أن صلابة الدولة أمام الصدمات تُقاس بتنويع مصادر دخلها وطاقتها، لا بحجم ثرواتها الطبيعية. فالدول التي طورت قطاعات غير نفطية مثل الصناعة والتجارة والخدمات المالية والطاقة المتجددة، ونوّعت موارد طاقتها وأسواق تصديرها، تملك مرونة تمكنها من امتصاص الأزمات الإقليمية والصمود أمامها، وهو الدرس المستفاد من أزمة الكهرباء العراقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *