ماسك يتخيل اقتصاد وفرة بلا مال: مليار روبوت خلال عقد

يرى الملياردير الأمريكي إيلون ماسك أن التسارع الكبير في تطوير الذكاء الاصطناعي والروبوتات قد يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي ويدخله مرحلة وفرة غير مسبوقة، إذ قد يتجاوز حجم إنتاج السلع والخدمات بكثير ما يستطيع البشر استهلاكه، الأمر الذي قد يقلص الدور التقليدي للمال في النشاط الاقتصادي بدرجة جذرية. وفي مقابلة حصرية مع مجموعة الصين للإعلام، قال الرئيس التنفيذي لشركتي تسلا وسبيس إكس إن المستقبل قد يشهد امتلاك الأفراد روبوتات شخصية، فيما يمكن لشركات وأفراد إدارة مئات أو آلاف الروبوتات المادية والرقمية، وهو ما سيرفع إنتاجية الفرد إلى مستويات ضخمة. وأضاف ماسك أنه يتوقع تحقيق “دخل مرتفع بشكل شبه شامل”، معتبراً أنه “ليس من الواضح حتى ما إذا كان المال سيظل مهماً في المستقبل”.
اقتصاد الوفرة وتراجع دور المال
يستند تصور ماسك إلى فكرة أن الاقتصاد في جوهره قائم على إنتاج السلع وتقديم الخدمات؛ فإذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات قادرة على إنتاج كميات تفوق بكثير احتياجات البشر، فإن العلاقة التقليدية بين العمل والدخل والاستهلاك قد تتغير بصورة عميقة. ويشير ماسك إلى أن الإنسان يواجه قيوداً بيولوجية واضحة؛ فهو بحاجة إلى النوم والطعام والراحة، كما أن سنوات حياته القابلة للعمل محدودة، في حين تستطيع الروبوتات العمل دون توقف. ووفق تصوره، قد تعمل الروبوتات على مدار الساعة، أي نحو 168 ساعة أسبوعياً، دون حاجة إلى نوم أو تقاعد، ما يرفع الطاقة الإنتاجية مقارنة بالعمالة البشرية. ويرى أن انتشار الروبوتات الشخصية قد يجعلها قادرة على أداء مهام يومية واسعة، بدءاً من رعاية الأطفال وكبار السن، مروراً بالتعليم الفردي، وصولاً إلى الأعمال المختلفة داخل المنازل والشركات. ولا يقتصر التصور على روبوت واحد لكل شخص، بل يتوقع ماسك أن يمتلك بعض الأفراد أو الشركات المئات بل الآلاف من الروبوتات، ما يضاعف إنتاجية الفرد بشكل كبير.
مليار روبوت خلال 10 سنوات
يضع ماسك الروبوتات الشبيهة بالبشر في قلب هذا التحول، متوقعاً أن يصل عددها عالمياً إلى مليار روبوت خلال 10 سنوات أو أقل، قبل أن يتسارع النمو إلى نحو 10 مليارات خلال 15 عاماً، وربما 100 مليار خلال 20 عاماً، وفق تصريحاته لمجموعة الصين للإعلام. وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة بالنسبة إلى تسلا، التي تطور روبوت أوبتيموس ضمن استراتيجيتها المستقبلية، في محاولة لتحويل خبرتها في الذكاء الاصطناعي والتصنيع إلى منصة روبوتية قادرة على العمل في بيئات مختلفة. وإذا تحقق هذا التوسع على نطاق واسع، فإن الروبوتات لن تكون مجرد أدوات صناعية، بل قد تصبح جزءاً من البنية الأساسية للاقتصاد، مع انتقال الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى العالم المادي. ويتمثل جوهر رؤية ماسك في أن الذكاء الاصطناعي يمنح الآلات القدرة على التفكير ومعالجة المعلومات، بينما توفر الروبوتات “الأيدي والأقدام” التي تسمح لهذه القدرات بالتأثير المباشر في العالم الحقيقي. وقد وصف في مقابلة سابقة مع الإيكونوميست الاقتصاد الذي يجمع أعداداً ضخمة من الروبوتات مع الذكاء الاصطناعي بأنه يمكن أن يصبح قريباً من “اقتصاد شبه لانهائي”، وتوقع آنذاك أن تقل أهمية المال بحلول عام 2036 إذا تجاوز إنتاج السلع والخدمات قدرة البشر على الاستهلاك.
دور الإنسان في عصر الروبوتات
مع انتقال المزيد من المهام إلى الآلات، يرى ماسك أن القيمة المستقبلية للإنسان قد تتحول من تنفيذ الأعمال إلى تحديد الأهداف والطلبات التي يريد من الآلات تحقيقها. ولهذا السبب، دعا الجيل الجديد إلى الحصول على تعليم واسع ومتعدد التخصصات بدلاً من التركيز الضيق على مجال واحد، مؤكداً أن التعليم ينبغي أن يشمل الفنون والعلوم والهندسة، إلى جانب قاعدة واسعة من المعرفة العامة. والفكرة، وفق ماسك، أن الإنسان الذي يمتلك معرفة أوسع سيكون أكثر قدرة على تحديد ما يريده من الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وبالتالي يستفيد أفضل من قدراتها. ويربط ماسك ذلك بما يعرف بـ “هندسة الأوامر”، أي القدرة على صياغة التعليمات والأسئلة بطريقة واضحة للأنظمة الذكية. وفي عالم يزداد فيه عدد الروبوتات وقدرات الذكاء الاصطناعي، قد تصبح معرفة “ما الذي نريد من الآلة أن تفعله؟” أكثر أهمية من القدرة البشرية على تنفيذ المهمة نفسها. وقال ماسك إن المستقبل قد يصل إلى مرحلة تصبح فيها الروبوتات والأنظمة الذكية قادرة على تنفيذ الطلبات البشرية بسرعة كبيرة، إلى درجة تصبح فيها المشكلة ليست نقص القدرة على التنفيذ، وإنما تحديد ما يمكن للبشر أن يطلبوه من هذه الأنظمة.
الصين تقود الصناعة.. ومن يملك اقتصاد الوفرة؟
جاءت تصريحات ماسك في وقت تتوسع فيه صناعة الروبوتات الشبيهة بالبشر بسرعة، خصوصاً في الصين، التي أصبحت مركزاً رئيسياً لتطوير وتصنيع هذه التقنيات. وتشير بيانات رسمية صينية إلى وجود أكثر من 140 شركة تعمل في تصنيع الروبوتات الشبيهة بالبشر، فيما بلغت شحنات الصين من هذه الروبوتات نحو 14,400 وحدة خلال 2025، بما يعادل قرابة 80% من الشحنات العالمية في ذلك العام. وفي النصف الأول من 2026، تجاوزت الشحنات الصينية 40 ألف روبوت شبيه بالبشر، بما يمثل 97% من الشحنات العالمية خلال الفترة، وفق بيانات نقلتها وكالة شينخوا عن مؤتمر متخصص في القطاع. كما تشير تقديرات المعهد الصيني للإلكترونيات إلى إمكانية وصول سوق الروبوتات الشبيهة بالبشر في الصين إلى نحو 870 مليار يوان، أي ما يعادل حوالي 128.3 مليار دولار، بحلول 2030. ويعكس ذلك انتقال الروبوتات من مرحلة التجارب والعروض التقنية إلى مرحلة البحث عن تطبيقات تجارية واسعة، تشمل المصانع والخدمات والرعاية والتعليم والمنازل.
لكن الانتقال إلى اقتصاد شديد الوفرة لا يعني بالضرورة اختفاء المال؛ فنظرية ماسك تفترض أن زيادة الإنتاج ستقلل الندرة إلى درجة يصبح معها المال أقل أهمية، إلا أن الاقتصاد العالمي لا يعتمد فقط على السلع التي يمكن إنتاجها آلياً. فهناك موارد تظل محدودة بطبيعتها، مثل الأراضي في المواقع المرغوبة، وبعض مصادر الطاقة، والموارد الطبيعية، إضافة إلى الوقت البشري والاهتمام والخدمات التي تعتمد على التفاعل الإنساني. كما أن التوسع الهائل في الذكاء الاصطناعي نفسه يحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء ومراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية، ما يعني أن ارتفاع القدرة الإنتاجية في قطاع ما قد يؤدي إلى ظهور اختناقات جديدة في قطاعات أخرى. ولهذا، فإن “اقتصاد الوفرة” قد لا يعني اختفاء الندرة، وإنما انتقال الندرة من السلع والخدمات التقليدية إلى موارد جديدة. ويطرح خبراء اقتصاديون وتقنيون أسئلة مشابهة حول تأثير الذكاء الاصطناعي في توزيع الدخل والثروة، خصوصاً إذا أصبحت ملكية الأنظمة الذكية والروبوتات مركزة لدى عدد محدود من الشركات أو المستثمرين.
وفي وقت يتحدث فيه ماسك عن احتمال تراجع أهمية المال، يقدم جيريمي ألير، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة سيركل، تصوراً مختلفاً لمستقبل النظام المالي. ويتوقع ألير أن يصبح المال نفسه رقمياً بصورة متزايدة، وأن تتحول المدفوعات إلى عمليات شبه فورية وعالمية، تشبه في سهولتها إرسال رسالة عبر الإنترنت. وقد وصف مستقبلاً تصبح فيه الأموال الرقمية جزءاً أساسياً من البنية المالية للإنترنت. وبذلك، قد لا يكون مستقبل المال هو الاختفاء، وإنما التحول من النقد والأنظمة التقليدية إلى أموال رقمية قابلة للبرمجة والتحويل الفوري عبر الحدود.
وفي نهاية المطاف، تفتح رؤية ماسك الباب أمام سؤال اقتصادي أكبر من مجرد مستقبل النقود: من سيملك القدرة الإنتاجية التي توفرها الروبوتات والذكاء الاصطناعي؟ فإذا أصبحت الآلات قادرة على إنتاج السلع والخدمات بكميات ضخمة، فقد تنتقل القيمة الاقتصادية تدريجياً من العمل البشري إلى ملكية التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والبيانات والأنظمة الروبوتية. وبالتالي، قد يتحدد مستقبل الاقتصاد ليس فقط بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على زيادة الإنتاج، وإنما أيضاً بكيفية توزيع ثمار هذه الزيادة. وتظل رؤية ماسك في الوقت الراهن توقعاً طموحاً وليست نتيجة اقتصادية محسومة، إلا أن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والروبوتات يجعل النقاش حول مستقبل العمل والدخل والمال ينتقل من الخيال العلمي إلى صميم النقاش الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.




