الرئيسيةعربي و عالميالجامعات تواجه تحولاً جوهرياً لتواكب متطلبات...
عربي و عالمي

الجامعات تواجه تحولاً جوهرياً لتواكب متطلبات سوق العمل المتغيّر

30/06/2026 01:00

أكد الدكتور منصور العور، رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، أن مؤسسات التعليم العالي تقف على أعتاب مرحلة تحول جذري تفرضها السرعة المتزايدة للتغيّر في سوق العمل والابتكارات المتلاحقة في مجال الذكاء الاصطناعي.

النموذج التقليدي لم يعد كافياً

أشار العور إلى أن النظام الجامعي التقليدي القائم على الالتحاق بمدة محددة ثم التخرج لا يستطيع الآن تلبية احتياجات المستقبل. وأوضح في حديثه مع صحيفة «البيان» أن الجامعات مطالبة بالتحول إلى نماذج أكثر مرونة تعتمد على التعلم المستمر وإعادة تأهيل المهارات على مدار الحياة المهنية.

القيمة المستقبلية للجامعات

وأكد أن مقياس قيمة الجامعات في المستقبل سيُقاس بقدرتها على جذب خريجيها مرة أخرى لتحديث معارفهم ومهاراتهم بما يتماشى مع متطلبات الاقتصاد الرقمي. كما شدد على أن الذكاء الاصطناعي لا يُعَدّ تهديداً، بل يمثل فرصة لإعادة صياغة أدوار المؤسسات الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس، مما يعزز التفكير النقدي والقيم الإنسانية والقدرة على اتخاذ القرار.

تحولات سوق العمل والمهارات المطلوبة

في الحوار أشار المتحدث إلى أن العالم يشهد تحولات غير مسبوقة في طبيعة الوظائف والمهارات. سُئل عما إذا كنا ما زلنا نُعِدّ أبنائنا لوظائف المستقبل أم لوظائف بدأت في الاختفاء. أجاب أن ما نعيشه اليوم هو أحد أكبر التحولات التي شهدها التعليم وسوق العمل منذ الثورة الصناعية، حيث يعيد الذكاء الاصطناعي، الأتمتة، والاقتصاد الرقمي تشكيل الوظائف بسرعة هائلة، ما يستدعي مراجعة النماذج التعليمية التقليدية.

أوضح أن الدراسات العالمية تُظهر أن نسبة كبيرة من وظائف المستقبل لم تُستحدث بعد، بينما ستتغير وظائف أخرى جذرياً أو تختفي تدريجياً؛ لذا فإن التركيز على إعداد الطلبة لوظائف محددة لم يعد كافياً. وأضاف أن أخطر ما يمكن أن تفعله أي مؤسسة تعليمية اليوم هو إعداد الطلبة لوظائف حالية فقط، لأن المستقبل سيكافئ القدرة على التعلم المستمر أكثر من امتلاك مهنة ثابتة.

إعادة تعريف الشهادة والاقتصاد القائم على المهارات

تطرق المتحدث إلى فكرة أن الشهادة الجامعية لم تعد الضمان الحقيقي للنجاح المهني، متسائلاً عما إذا كنا أمام نهاية اقتصاد الشهادات وبداية اقتصاد المهارات. لكنه نفى فكرة انتهاء دور الشهادة، مؤكدًا أنها ستظل مساراً تعليمياً منظماً يبني قاعدة معرفية مهمة، وإنها لم تعد كافية وحدها. وأوضح أن أصحاب العمل أصبحوا يطلبون مهارات عملية، القدرة على الإنجاز، التكيف، والتعلم المستمر، ما يجعل المرحلة المقبلة تتجاوز الانتقال من اقتصاد الشهادات إلى اقتصاد المهارات لتصبح اقتصاد القيمة، حيث يُقاس الفرد بقدرته على التعلم، التطبيق، الابتكار وإحداث الأثر.

أما عن تأثير الذكاء الاصطناعي على مفهوم الكفاءة المهنية، فأوضح أن الذكاء الاصطناعي غير مفهوم الكفاءة بحيث لم تعد المعرفة المتخصصة وحدها هي المصدر الأساسي للقيمة، بل أصبحت القدرة على توظيف المعرفة هي الأهم. وبالتالي تحول السؤال من «ماذا تعرف؟» إلى «ماذا تستطيع أن تفعل بما تعرف؟»، مشيراً إلى ارتفاع قيمة المهارات التي يصعب أتمتتها مثل التفكير النقدي، الإبداع، الابتكار، القيادة، والحكم الأخلاقي، إضافة إلى العمل ضمن فرق متعددة التخصصات.

دور الأستاذ الجامعي في عصر الذكاء الاصطناعي

أجاب المتحدث على سؤال حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً للجامعات أم فرصة لإعادة ابتكار التعليم بأن أهم سؤال هو ما إذا كانت الجامعات مستعدة لعالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. وأشار إلى أن التاريخ يثبت أن المؤسسات لا تفشل بسبب التكنولوجيا، بل بسبب مقاومتها للتغيير.

وبالتالي، فإن الذكاء الاصطناعي يُعَدّ فرصة لإعادة تصميم التعليم عبر التعلم المخصص، تحسين أساليب التقييم، تعزيز الدعم الأكاديمي، وفهم احتياجات الطلبة بصورة أعمق. وفيما يتعلق بدوره، صرح العور أن الأستاذ كان في الماضي المصدر الأساسي للمعرفة، أما الآن فالمعرفة باتت متاحة بسهولة، لذا سيتحول دوره إلى موجه يُعنى ببناء التفكير، تصميم تجارب التعلم، تسهيل النقاش، وتعزيز التفكير النقدي، مع الاستمرار في لعب دور أساسي في غرس القيم والمسؤولية الأخلاقية.

التعلم مدى الحياة كضرورة اقتصادية

أكد المتحدث أن التعلم المستمر أصبح ضرورة اقتصادية لأن المهارات تتغير بسرعة تفوق أي فترة سابقة، وبالتالي لم تعد المعارف المكتسبة اليوم صالحة لسنوات طويلة. لذا فإن التعلم مدى الحياة لم يعد خياراً بل ضرورة، وتصبح الدول التي تمتلك قوة عاملة قادرة على التعلم المستمر والتكيف هي الفائزة في المنافسة الاقتصادية.

وأشار إلى أن علاقة الجامعة بالطالب لا تنتهي عند التخرج، بل يجب أن تتحول إلى شراكة مستمرة تسمح للخريج بالعودة لتحديث مهاراته عبر برامج وشهادات متخصصة.

رؤية جامعة المستقبل

صوّر المتحدث صورة جامعة المستقبل بأنها منظومة تعلم مرنة لا تقتصر على موقع ثابت، بل تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم المخصص، مع تقليص الفجوة بين التعليم وسوق العمل. وأضاف أن قياس نجاح الجامعات في المستقبل لن يُقتصر على عدد الخريجين، بل سيُقاس بأثرهم، قدرتهم على الابتكار والتكيف، وعدد المرات التي يعود فيها الخريج إلى الجامعة خلال مسيرته المهنية.

واختتم برسالة واضحة مفادها أن التغيير أصبح الثابت الوحيد، وعلى الشباب الاستثمار في قدرتهم على التعلم، وعلى المؤسسات تحديث نماذجها باستمرار. وأكد أن الاستثمار في الإنسان يظل الأهم، فبينما يغير الذكاء الاصطناعي الأدوات، يبقى الإنسان صانع المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *