قرار حكومي يضع إطاراً تنظيمياً لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي

عقد مجلس السلامة الرقمية للطفل أمس جلسة إعلامية لتسليط الضوء على قرار مجلس الوزراء الأخير المتعلق بتنظيم وصول القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي. وقد شارك في اللقاء معالي سناء بنت محمد سهيل، وزيرة الأسرة ورئيسة المجلس، إلى جانب عدد من المسؤولين والجهات ذات الصلة.
الحضور وتفاصيل اللقاء
أقيمت الإحاطة في مقر المؤثرين بدبي بحضور المهندس ماجد سلطان المسمار، مدير عام الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات والحكومة الرقمية (تدرا). كما شارك الدكتور حسين الرند، الوكيل المساعد لقطاع الصحة العامة بوزارة الصحة ووقاية المجتمع، والسيدة ميثا ماجد السويدي، المدير التنفيذي لقطاع الاستراتيجية والسياسات الإعلامية بالهيئة الوطنية للإعلام، إلى جانب ممثلي وسائل الإعلام المحلية والدولية وصناع المحتوى.
أهداف القرار ورؤيته الوطنية
أكدت معالي سناء بنت محمد سهيل أن بناء منظومة وطنية متطورة لحماية الطفل رقمياً يُعَدُّ أحد الأعمدة الاستراتيجية في رؤية دولة الإمارات، مستندة إلى توجيهات القيادة الرشيدة التي جعلت من سلامة الطفل وتمكين الأسرة أولوية في مسيرة التنمية. وأوضحت أن الدولة تسعى لتطوير التشريعات والسياسات بصورة استباقية لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، بهدف خلق بيئة رقمية آمنة تدعم النمو المتوازن للأطفال وتتماشى مع أهداف عام الأسرة ومبادرة «مئوية الإمارات 2071».
النهج الوقائي والاستجابة المتكاملة
أشارت الوزيرة إلى أن القرار يُعَدُّ نقلة نوعية في مسار الإمارات نحو سياسات عصرية تستجيب للتغيرات العالمية، حيث أصبح الفضاء الرقمي جزءاً لا يتجزأ من حياة الأطفال، يتيح لهم التعلم والإبداع واكتساب مهارات جديدة. لذلك استلزم الأمر وضع إطار تنظيمي يضمن الاستفادة من هذه الفرص بأمان وتوازن.
تستند فلسفة القرار إلى نهج وقائي استباقي يحدد ضوابط واضحة للوصول إلى المنصات بحسب الفئات العمرية، ما يحافظ على حق الطفل في التعلم والتطور مع تقليل المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير الملائم. وأضافت معالي الوزيرة أن القرار يرسخ مفهوم المسؤولية المشتركة عبر توزيع واضح للأدوار بين الجهات الحكومية، المنصات الرقمية، والأسر، مما يعزز كفاءة المنظومة الوطنية لحماية الطفل رقمياً.
آليات التنفيذ ودور الجهات المعنية
ستواصل وزارة الأسرة ومجلس السلامة الرقمية للطفل تقديم أدوات وإرشادات عملية تساعد أولياء الأمور على متابعة استخدام أبنائهم للتقنيات الحديثة، إلى جانب إلزام المنصات الرقمية بمسؤوليات تنظيمية وتقنية واضحة. يهدف ذلك إلى إتاحة بيئة رقمية متوازنة تدعم بناء أجيال قادرة على التعامل الواعي مع التكنولوجيا ومساهمة فاعلة في التنمية الوطنية.
يُعتمد في القرار نموذجاً تنظيمياً يراعي احتياجات الطفل في كل مرحلة عمرية، حيث تتغير متطلبات الحماية الرقمية مع تقدم العمر. لذلك تم وضع ضوابط متدرجة توازن بين تنمية قدرات الأطفال على التعلم والتفاعل والإبداع، وبين توفير مستويات حماية ملائمة لكل فئة.
تفاصيل الإطار التنظيمي
حدَّد القرار سن الخامسة عشرة كحد أدنى لإنشاء حسابات شخصية على منصات التواصل، مع إلزام المنصات بعدم السماح للأطفال دون هذا العمر بإنشاء أو تشغيل حسابات أو الوصول إلى الخصائص التفاعلية الكاملة. أما الفئة التي تتراوح أعمارها بين 15 و16 عاماً، فستتمكن من استخدام المنصات ضمن نظام حماية معزز يتضمن تقييد بعض الخصائص عالية المخاطر، وتوفير أدوات رقابة للوالدين، وتنظيم مدد الاستخدام، إضافة إلى مستويات أعلى من الحماية للمحتوى والتفاعل الرقمي.
أوضح المهندس ماجد المسمار أن القرار يضع إطاراً واضحاً يحدد مسؤوليات منصات التواصل العاملة داخل الدولة أو الموجهة إليها، لضمان بيئة رقمية أكثر أماناً للأطفال وتعزيز الامتثال للمعايير التقنية المعتمدة. كما حدد قواعد التحقق من العمر كإحدى الركائز الأساسية للحماية، مع اعتماد آليات موثوقة ومتناسبة مع الغرض، مع الحفاظ على أعلى معايير حماية الخصوصية والبيانات الشخصية.
ستتولى الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات والحكومة الرقمية متابعة التزام المنصات بأحكام القرار، واتخاذ الإجراءات اللازمة عند حدوث أي مخالفة. وقد مُنحت المنصات فترة انتقالية تبلغ اثني عشر شهراً لاستكمال متطلبات الامتثال.
الصحة العامة والوعي الرقمي
أكد الدكتور حسين الرند أن القرار يعكس فهماً أوسع للصحة العامة، يمتد إلى الجوانب النفسية والسلوكية والرقمية. واستند إلى دراسات حول النمو الإدراكي والاجتماعي للأطفال، مشيراً إلى أن الاستخدام غير المتوازن لمنصات التواصل قد يرتبط باضطرابات النوم، القلق، التوتر، العزلة الاجتماعية وتراجع التركيز. لذا شدد على ضرورة تعزيز الوعي بالممارسات الرقمية الصحية لكل فئة عمرية، مع تعاون وزارة الصحة ووقاية المجتمع مع جميع المؤسسات الوطنية لتنفيذ برامج توعوية وقائية.
دور الإعلام وتوجيه المحتوى
من جانبها، أوضحت ميثا ماجد السويدي أن القرار يرفع من مستوى الحوكمة الإعلامية المتعلقة بحماية الطفل، ويعزز مسؤولية المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية في تقديم محتوى ملائم لاحتياجات الأطفال على مختلف المراحل. وأكدت أن الهيئة الوطنية للإعلام ستتابع المحتوى الموجه لهذه الفئة وتراقب مدى التزامه بالمعايير الوطنية والتشريعات السارية.
ستعمل الهيئة بالتعاون مع مجلس السلامة الرقمية للطفل على إصدار معايير وطنية للمحتوى الإعلامي الموجه للأطفال، إلى جانب دليل لتصنيف المحتوى وفق الفئات العمرية، مما يوفر مرجعية موحدة تدعم المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى وتمكّن أولياء الأمور من اتخاذ قرارات أكثر وعيًا بشأن ما يتعرض له أبناؤهم.
الشراكة الدولية والخصوصية
أشار المهندس عبدالرحمن المرزوقي، مدير إدارة السياسات والبرامج في الهيئة، إلى أن نجاح تطبيق القرار يعتمد على شراكة استراتيجية مع أبرز منصات التواصل العالمية، التي أبدت التزاماً كبيراً بالامتثال للقوانين الوطنية، لا سيما ما يتعلق بحماية الطفولة. وأوضح أن حماية الخصوصية وسرية البيانات الشخصية للأطفال تُعَدُّ خطاً أحمر لا يُمكن التهاون فيه، مع تركيز الدور الحكومي على الجوانب التنظيمية والرقابية دون التدخل في مراقبة الحسابات الشخصية أو أنشطة الأفراد.



